
تعدّ الروائية الآيرلندية سالي روني، البالغة 35 عاماً، من أبرز ظواهر النشر الأدبي في العقد الأخير. بدأت بـ«محادثات مع أصدقاء» عام 2017، ثم حققت انتشاراً واسعاً مع «أناس عاديون» عام 2018، وأتبعتها بـ«عالم جميل… أين أنت؟» عام 2021، و«إنترميتسو» عام 2024.
وقد اعتذرت أخيراً الدار الناشرة كتبها؛ «فيبر آند فيبر»، من عدم توزيع كتبها بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة، إثر تحذير من السلطات البريطانية.
وتحت عنوان «سالي روني كاتبة وليست إرهابية»، اجتمعت أسماء بارزة في فضاءات الأدب والسينما والفكر على رسالة مفتوحة نشرتها مجلة «نيو ستيتسمان» البريطانية دفاعاً عن الروائية الآيرلندية المجليّة بعدما توقفت دار النشر «فيبر آند فيبر» عن بيع كتبها في السوق البريطانية – ورقياً وإلكترونياً – إثر تحذير من السلطات؛ وذلك على خلفية إعلانها التبرع بجزء من عوائد كتبها لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، لتتحوّل قضية صاحبة «أناس عاديون» مواجهةً سياسيةً ثقافيةً بشأن امتداد آثار تشريعات مكافحة الإرهاب إلى النشر، وحدود قدرة الكاتب على إعلان مواقفه السياسية من دون خسارة الوصول إلى قرائه.
الرسالة التي نشرتها المجلّة الأسبوع الماضي جاءت قصيرة وحاسمة، ويطالب موقّعوها بإتاحة كتب روني للجمهور، عادّين أن سحبها من البيع هو نتيجة تشريعات «سيئة التدبّر» وشديدة القسوة، ويمثل اعتداءً على المبادئ الأساسية لحرية الكلام والتعبير التي لطالما عُدّت حقوقاً مستقرة ومحترمة في بريطانيا. وأعلن الموقعون رفض الرقابة؛ المباشرة وغير المباشرة، داعين الحكومة إلى تغيير مسارها وتعديل التشريعات التي أوصلت البلاد، على حد تعبيرهم، إلى هذه الحالة من «العبث القمعي».
وتكشف قائمة التوقيعات عن اتساع الاعتراض خارج الدائرة المعتادة للتضامن الأدبي المحليّ. فمن بين الأسماء آني إرنو، وجي. إم. كوتزي، وزادي سميث، وأرونداتي روي، وجوليان بارنز، وجورج سوندرز، وبرناردين إيفاريستو، إلى جانب آن كارسون، وكولم تويبين، وآن إنرايت. وتضم القائمة أيضاً أسماء عربية، بينها أهداف سويف وهشام مطر وعمر العقاد، ومفكرين وكتّاباً مثل نعومي كلاين وسلافوي جيجيك وطارق علي وآدم توز. ويمنح هذا التنوع الرسالة ثقلاً يتجاوز الدفاع عن زميلة كاتبة، إلى مساءلة البيئة التي يعمل فيها الكتّاب والمفكرون في بريطانيا المعاصرة.
اقرأ ايضا: تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
ومن الشاشة، انضم بول ميسكال وديزي إدغار جونز، بطلا المسلسل المقتبس من «أناس عاديون»، ومخرجه ليني أبراهامسون، فضلاً عن تيلدا سوينتون، وسوزان ساراندون، وجيسي باكلي، والمخرج جوناثان غليزر. وتحمل مشاركة بطلي المسلسل دلالة خاصة، فالعمل الذي أسهم في إطلاق نجوميتهما جاء من رواية أصبح تجديد مخزونها في المكتبات البريطانية موضع إشكال قانوني.
مع ذلك، يحتاج وصف ما جرى بأنه «منع للكتب» إلى تدقيق. فلم يصدر قرار رسمي صريح يحظر روايات روني بسبب محتواها، ويبدو أنّه سمح للمكتبات بمواصلة بيع النسخ الموجودة لديها مسبقاً. الذي حدث هو توقف الناشر عن توريد نسخ جديدة، باتفاق مع روني نفسها، بعدما قالت «فيبر» إن التشريعات البريطانية تمنعها من تحويل عائدات المبيعات إلى المؤلفة. وهكذا يمكن أن تصبح رواياتها أقل توفراً أمام القراء، ثم تختفي تدريجياً من السوق، عبر القيود المالية والقانونية، حتى من دون صدور أمر مباشر بمصادرتها.
وقالت دار النشر المرموقة إن بيع أعمال كاتب مع العجز عن دفع مستحقاته وضع يتعذر عليها قبوله، ولذلك قررت، بموافقة الكاتبة الكاملة، وقف تزويد السوق البريطانية بأعمالها بأي صيغة، مؤكدة على استمرار اعتزازها بنشر رواياتها وإتاحتها خارج المملكة المتحدة. أما روني فأعلنت استعدادها لتحمّل تبعات معتقداتها ونياتها التي حرصت دائماً، وفق بيانها، على البوح بها للجمهور.
وتعود خلفية الحدث إلى تعهّد الروائية باستخدام عائدات كتبها واقتباساتها التلفزيونية لدعم حركة «بالستاين (فلسطين) أكشن»، التي أدرجتها الحكومة البريطانية ضمن المنظمات الإرهابية في يوليو (تموز) العام الماضي. ودخل الحظر حيز التنفيذ في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بموجب «قانون مكافحة الإرهاب لعام 2000»، فأصبح الانتماء إلى الحركة والدعوة إلى دعمها من الأفعال المجرّمة. وقد تصل عقوبة بعض جرائم دعم التنظيمات المحظورة وفق القانون المذكور إلى السجن 14 عاماً.
وبررت الحكومة قرارها وصم «بالستاين (فلسطين) أكشن» بالإرهاب بما قالت إنّها سلسلة من عمليات تخريب وإتلاف ممتلكات استهدفت منشآت وشركات مرتبطة بالصناعات الدفاعية ذات صلة بالكيان العبري؛ وذلك احتجاجاً على الإبادة في غزّة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وبما عدّته السلطات تهديداً للأمن القومي. وجاء الإعلان عن نية الحظر بعد اقتحام ناشطين قاعدة «بريز نورتون» الجوية في يونيو (حزيران) 2025. وشددت وزارة الداخلية وقتها على أن القرار يخص الحركة تحديداً، وأنه لا يستهدف الاحتجاج القانوني أو المنظمات الأخرى المناصرة لفلسطين. في المقابل، يرى أصحاب الرسالة المفتوحة أن قضية روني تكشف عن توسع أثر التشريع ضد الإرهاب إلى مجالات التعبير الثقافي.






