عندما تتدحرج الكرة على العشب الأخضر، تُنسى عادةً الخلافات السياسية وتتوحد الشعوب خلف راية الشغف الرياضي، لكن في منطقة البلقان، وتحديدًا بين كرواتيا والبوسنة والهرسك، لا تعد كرة القدم مجرد لعبة؛ بل هي مرآة تعكس تاريخًا دمويًا ومعقدًا.
بينما تتجه أنظار العالم نحو إنجازات هذين المنتخبين في كأس العالم 2026، يعود إلى الأذهان طيف يوغوسلافيا السابقة، تلك الدولة العظمى التي جمعتهما يومًا تحت سقف واحد، قبل أن تفرقهما لغة الرصاص ومشانق السياسة.
فكيف تحولت الملاعب إلى ساحة تُنبش فيها ذكريات الانفصال والحرب؟
لعقود طويلة، كان الكروات والبوسنيون يرتدون قميصًا واحدًا يمثل جمهورية يوغوسلافيا، ويهتفون معًا لانتصارات رياضية مشتركة، لكن مع بداية تسعينيات القرن الماضي، انهار الحلم الاشتراكي، واندلعت حروب البلقان الطاحنة.
لم يكن الانفصال هادئًا أبدًا، بل كلف البوسنة والهرسك ثمنًا باهظًا من الدماء والتطهير العرقي، وتداخلت التحالفات والعداوات بين الكروات والبوسنيين والصرب في صراع ترك ندوبًا غائرة في وجدان الشعوب.
اليوم، ومع كل مشاركة لهذين البلدين في كأس العالم، تعود هذه الذاكرة المثقلة بالآلام لتفرض نفسها على المشهد الرياضي، مذكرة الجميع بأن الحدود الجغرافية الحالية رُسمت بالدم والدموع، ولم تكن يومًا مجرد خطوط على خريطة.
تصفح أيضًا: أنيس حاج موسى يُقدم وعدًا خاصًا لجماهير الجزائر قبل مواجهة سويسرا
لعل المشهد الأكثر تعقيدًا الذي تبرزه مباريات كأس العالم هو “أزمة الانتماء” العميقة داخل البوسنة والهرسك نفسها. فبموجب اتفاقية دايتون للسلام، تعيش في البوسنة نسبة كبيرة من الكروات الذين يحملون جنسية البلاد.
لكن المفارقة تحدث عندما تنطلق صافرة الحكم في المونديال!
على الصعيد الكروي البحت، أظهرت بطولات كأس العالم المتعاقبة فجوة شاسعة بين البلدين الجارين تعكس واقعهما السياسي:
لعل كرة القدم قادرة حقًا على صناعة الفرح، لكنها في حالة البوسنة وكرواتيا تقف عاجزة أمام محو تاريخٍ بأكمله.
كل مباراة يخوضها المنتخبان في المونديال ليست مجرد صراع رياضي على النقاط أو التأهل، بل هي تذكير دائم بوطنٍ كان يُدعى يوغوسلافيا، تمزق إلى أشلاء.
رغم أن الأجيال الشابة من اللاعبين لا تحمل بنادق الحرب اليوم، إلا أنها تحمل على أكتافها إرثًا ثقيلًا من الانقسامات العرقية، لتُثبت الساحرة المستديرة أنها لا تداوي الجراح دائمًا.. بل قد تكتفي أحيانًا بعرضها بوضوح تحت أضواء الملاعب العالمية!




