مع التوسع الهائل في استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى بناء مراكز بيانات ضخمة قادرة على تشغيل النماذج المتقدمة، لكن هذه المنشآت تثير مشكلة أخرى تتعلق باستهلاك كميات كبيرة من الكهرباء والمياه، خاصة لتبريد الخوادم والمعدات، وبما أن التبريد يمثل أحد أكبر التحديات أمام مراكز البيانات، قد يبدو منطقيًا التفكير في نقل هذه المنشآت إلى أماكن شديدة البرودة وقليلة السكان، مثل القارة القطبية الجنوبية “أنتاركتيكا”.
لكن رغم أن الفكرة تبدو جذابة نظريًا، فإن بناء مركز بيانات ضخم في أنتاركتيكا سيخلق مشكلات أكبر بكثير من تلك التي يحاول حلها، بدءًا من نقص البنية التحتية، مرورًا بالظروف المناخية القاسية، وصولًا إلى القيود البيئية والقانونية المفروضة على القارة.
تحتاج معظم مراكز البيانات التي تشغل أحمالًا ضخمة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى أنظمة تبريد قوية للحفاظ على درجات حرارة الخوادم ضمن الحدود الآمنة، وتعتمد كثير من هذه المنشآت على أنظمة تبريد تستخدم المياه لنقل الحرارة بعيدًا عن أجهزة الكمبيوتر، ثم التخلص منها عبر أبراج أو أنظمة تبخير.
لكن في المناطق الباردة، يمكن الاستفادة من الهواء الخارجي للمساعدة في خفض درجات الحرارة، ما يقلل الحاجة إلى استهلاك المياه في عمليات التبريد، وتوجد بالفعل مراكز بيانات في مناطق باردة مثل فنلندا والسويد وأيسلندا، حيث تسمح درجات الحرارة المنخفضة باستخدام التبريد الطبيعي بدرجة أكبر وتقليل الاعتماد على المياه.
ومن هنا تبدو أنتاركتيكا، التي تتمتع ببرودة شديدة وعدد محدود جدًا من السكان، وكأنها المكان المثالي لهذه المهمة.
يمكن لمراكز البيانات المقامة في المناخات الباردة استخدام الهواء الخارجي للمساعدة في تبريد الخوادم، لكن ذلك لا يعني أنها لا تستهلك موارد أخرى، فحتى أنظمة التبريد الطبيعي تحتاج إلى الكهرباء لتشغيل المراوح والمعدات التي تمرر الهواء البارد داخل المنشأة وتطرد الهواء الساخن، ولهذا، فإن الاستفادة من المناخ البارد قد تقلل استهلاك المياه، لكنها لا تلغي احتياجات مركز البيانات من الطاقة والاتصالات والبنية التحتية، وهنا تظهر المشكلة الأساسية في فكرة بناء مركز بيانات في أنتاركتيكا.
أكبر العقبات ليست في درجة الحرارة، وإنما في غياب البنية التحتية الحديثة التي تحتاجها مراكز البيانات الضخمة، فمراكز البيانات لا تحتاج فقط إلى الماء وأنظمة التبريد، بل تحتاج أيضًا إلى مصادر موثوقة للكهرباء والأجهزة والمعدات والاتصالات, ولا تمتلك أنتاركتيكا شبكة كهرباء حديثة مثل تلك الموجودة في الدول والمناطق المأهولة.
وتعتمد محطات الأبحاث الموجودة هناك بدرجة كبيرة على مصادر كهرباء محلية، بما في ذلك مولدات الديزل، كما ان بناء منشأة ضخمة للذكاء الاصطناعي سيحتاج إلى مصدر كهرباء مستقر وضخم يعمل بصورة مستمرة، وهو ما يجعل إنشاء مثل هذه البنية في القارة مشروعًا معقدًا ومكلفًا للغاية.
اقرأ ايضا: واتساب يطلق وكيلًا ذكيًا للشركات وميزات جديدة لاكتشاف الأنشطة التجارية
هناك مشكلة أخرى شديدة الأهمية، وهي الاتصالات، فمراكز البيانات الحديثة تحتاج إلى اتصال سريع ومستقر بالإنترنت من أجل تقديم الخدمات ونقل كميات هائلة من البيانات، لكن أنتاركتيكا لا تمتلك شبكة كابلات إنترنت بحرية مشابهة لتلك التي تربط معظم مناطق العالم.
وبالتالي، حتى لو أمكن بناء مركز بيانات يعمل بالطاقة والتبريد، فإن تقديم خدماته لمستخدمين في دول أخرى سيكون أكثر تعقيدًا، وهذا يضرب أحد الأهداف الأساسية لمراكز البيانات التجارية، وهي توفير خدمات حوسبة سحابية وذكاء اصطناعي للمستخدمين حول العالم.
البرودة الشديدة ونقص الموارد لا يمثلان مشكلة للآلات فقط، بل للبشر أيضًا، فالعمل في ظروف القارة القطبية الجنوبية يحتاج إلى تجهيزات خاصة ونقل وإمدادات مستمرة، ما يجعل تشغيل منشأة ضخمة تحتاج إلى فرق هندسية وفنية على مدار الساعة أكثر صعوبة وتكلفة.
وبناء مركز بيانات بحجم المنشآت المطلوبة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي سيعني نقل المعدات الثقيلة، وتوفير الطاقة وقطع الغيار، وضمان وجود فرق قادرة على صيانة الأنظمة في بيئة شديدة القسوة.
بعيدًا عن التحديات التقنية، فإن أنتاركتيكا منطقة شديدة الحماية بيئيًا وتخضع لعدد من المعاهدات الدولية، وتفرض هذه الاتفاقيات قيودًا على العديد من الأنشطة، بما في ذلك الأنشطة التجارية والتخلص من النفايات وبعض أشكال النشاط الصناعي والعسكري.
وبالتالي، فإن إنشاء مركز بيانات تجاري ضخم لن يكون مجرد مشروع هندسي، بل سيحتاج على الأرجح إلى دراسات متخصصة لتقييم التأثير البيئي ومفاوضات دولية قبل التفكير في تنفيذ المشروع، وهذا يعني أن الإجراءات القانونية والبيئية وحدها قد تؤخر أي مشروع من هذا النوع لسنوات.
يوجد بالفعل مركز بيانات واحد على الأقل في القارة يعرف باسم IceCube، لكنه مرتبط بموقع بحثي وليس منشأة تجارية ضخمة مخصصة لتشغيل أحمال الذكاء الاصطناعي، وهذا الفرق مهم، لأن تشغيل مركز بحثي محدود يختلف جذريًا عن بناء مجمع حوسبة ضخم يحتاج إلى كميات هائلة من الكهرباء والاتصالات والمعدات والموظفين.
توضح تجربة مراكز البيانات الموجودة بالفعل في فنلندا والسويد وأيسلندا أن الاستفادة من المناخ البارد ممكنة دون الانتقال إلى واحدة من أصعب البيئات على الأرض، فهذه المناطق تجمع بين درجات الحرارة المنخفضة، ووجود بنية تحتية متقدمة، وشبكات كهرباء واتصالات قوية، إضافة إلى وجود مجتمعات وطرق وموانئ وخدمات يمكن الاعتماد عليها.




