الرئيسيةالوطن العربيالأردنرئيس الوزراء يتفقد وحدة التدخل المبكر في الحمراء ويوجه بإنشاء مبنى جديد

رئيس الوزراء يتفقد وحدة التدخل المبكر في الحمراء ويوجه بإنشاء مبنى جديد

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

 تُبنى المدن بالطرق، لكن قيمة الطريق لا تكمن في الإسفلت والمسارب وحدها، بل في الوظيفة التي يؤديها داخل منظومة المدينة. وقد يبقى الطريق سليماً من الناحية الإنشائية، بينما تبدأ كفاءته بالتراجع عندما تتغير استعمالات الأراضي من حوله، وتتزايد الرحلات التي تولدها الأنشطة الجديدة، وتتجاوز الحركة قدرته التشغيلية.

ومن هنا تأتي أهمية كريدور عبدون؛ فهو ليس شارعاً محلياً، بل محور حضري مهم في شبكة الحركة في عمّان، وتزداد قيمته كلما اتسعت التنمية العمرانية من حوله.

والسؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم ليس: هل يستطيع الكريدور استيعاب حركة اليوم؟

بل:

هل سيبقى قادراً على أداء وظيفته بعد خمس أو عشر سنوات، عندما تكتمل أجزاء أكبر من التنمية العمرانية على امتداده؟

فالمجمع التجاري أو الإداري أو الطبي لا يضيف مبنى فقط؛ بل يولد رحلات مرورية، ويزيد الطلب على المواقف، وحركة الدخول والخروج، والانعطاف والتوقف. وقد يكون المشروع الواحد قابلاً للاستيعاب، لكن تراكم المشاريع على المحور نفسه قد يغير المعادلة بالكامل.

وهنا تأتي أهمية دراسات الأثر المروري (TIA)، وتحليل توليد الرحلات (Trip Generation)، وتقييم مستوى الخدمة (LOS)؛ ليس باعتبارها إجراءات للترخيص، بل أدوات لصناعة قرار عمراني يوازن بين المشروع وقدرة المحور والشبكة المحيطة به.

والأهم أن نقرأ المشاريع بأثرها التراكمي، لا كل مشروع منفرداً.

فكريدور عبدون لا ينبغي أن يُدار بوصفه شارعاً تحيط به قطع أراض مستقلة، بل بوصفه أصلاً حضرياً متكاملاً؛ تتصل كفاءته باستعمالات الأراضي، والمواقف، والتقاطعات، والنقل العام، وحركة المشاة، والبيئة الحضرية.

ولعل عمّان نفسها تقدم لنا درساً لا ينبغي أن نغفله.

فمن يتذكر شارع وصفي التل في مطلع تسعينيات القرن الماضي، ثم يقارنه بما يراه اليوم، ومن يتذكر شارعي مكة والمدينة المنورة في مطلع الألفية عام 2000، ثم يراهما اليوم، يدرك أن المدينة لا تتغير دفعةً واحدة؛ بل تتغير مشروعاً بعد مشروع، ورخصةً بعد رخصة، حتى يصبح ما كان شارعاً ذا كفاءة مرورية عالية محوراً مثقلاً بالحركة والأنشطة والمداخل والمخارج والطلب على المواقف.

ولا يعني استحضار هذه التجارب أن كريدور عبدون سيسلك المسار نفسه حتماً، وإنما أن علينا أن نتعلم من آلية التحول قبل أن تتكرر.

فالتوسع المتتابع في المجمعات التجارية والخدمية، إذا لم يترافق مع قراءة للأثر التراكمي على المحور، قد يجعل ما يبدو اليوم توسعاً عمرانياً ناجحاً عبئاً مرورياً بعد خمس أو عشر سنوات.

وعندها لا تكون المعاناة مجرد أرقام في دراسة مرورية؛ بل وقتاً ضائعاً، ووقوداً مستهلكاً، وضغطاً يومياً على سكان عمّان ومرتادي الطريق والعاملين فيها، وتراجعاً في جودة المجال الحضري.

ومن حق مستخدم الطريق أن نحسب معاناته قبل أن تقع، لا أن ننتظرها ثم نبحث عن حلٍّ لها.

ومن هنا، فإن الأراضي المتبقية على امتداد الكريدور تستحق نظرة تخطيطية أوسع. فليس بالضرورة أن يكون أفضل استعمال لكل قطعة هو البناء التجاري. قد تكون بعض المواقع أكثر قيمة للمدينة إذا خصصت لمواقف عامة، أو مرافق للنقل، أو مساحات خضراء، أو متنفسات حضرية، أو ساحات عامة، أو بنية تحتية زرقاء وخضراء.

فليست كل أرض غير مبنية أرضاً غير مستثمرة؛ أحياناً يكون أعظم استثمار فيها أن تبقى تخدم المدينة.

وهذا لا يعني الحد من الاستثمار، بل رفع جودة الاستثمار؛ بحيث تتناسب الكثافة العمرانية مع القدرة الاستيعابية للبنية التحتية، ويصبح الترخيص قراراً يراعي المشروع والشارع والمنظومة الحضرية معاً.

وعمّان، بطبيعتها الجبلية ونسيجها العمراني المتراكم، لا تملك دائماً رفاهية إنشاء طريق بديل كلما ارتفعت الأحمال المرورية. لذلك فإن حماية محور قائم وفعّال قد تكون أكثر حكمة وأقل كلفة من محاولة إنقاذه بعد أن تستنفد التنمية هوامش الحركة المتاحة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله اليوم لكريدور عبدون هو ألا ننتظر أن يصبح مشكلة حتى نبحث له عن حل.

لا نقول إن الكريدور أمام أزمة، بل نقول إن نجاحه الحالي هو أفضل وقت لحماية مستقبله.

وهنا يمكن أن تكون المرحلة الجديدة في إدارة عمّان فرصة لتطوير فلسفة أكثر تكاملاً في الترخيص والتخطيط: أن يُنظر إلى كل مشروع جديد ليس فقط من داخل حدوده العقارية، بل من أثره على المحور، والشبكة، والمكان، والبيئة، وجودة الحياة.

فالسؤال التخطيطي لا ينبغي أن يكون فقط:

هل يسمح الموقع بهذا المشروع؟

بل أيضاً:

تصفح أيضًا: تشكيل”لجنة سياحة العقبة” لتعزيز الشراكة وتطوير القطاع السياحي

ماذا سيضيف المشروع إلى المدينة، وماذا سيطلب منها؟

كم رحلة سيولد؟

كم موقفاً سيحتاج؟

ما أثره على التقاطعات؟

وكيف سيبقى المحور قادراً على أداء وظيفته بعد اكتمال التنمية من حوله؟

هذه الأسئلة لا تعطل الاستثمار؛ بل تحميه من أن يتحول نجاحه الخاص إلى كلفة عامة.

كريدور عبدون لا يحتاج اليوم إلى توسعة إسفلتية بقدر ما يحتاج إلى حماية وظيفته التخطيطية؛ 

أن يبقى محوراً للحركة، 

 لا أن يتحول تدريجياً إلى محور تختنق فيه الحركة بسبب ما نشأ حوله.

فالتنمية ليست أن نبني كل ما نستطيع بناءه، وإنما أن نبني ما تستطيع المدينة أن تستوعبه وتحافظ على كفاءته.

والطريق وظيفة، والأرض مورد، والتنمية مسؤولية.

وحين تجتمع هذه الثلاثة في قرار واحد، يصبح التخطيط فنّاً لحماية المستقبل قبل أن يصبح واقعاً.

ولأمين عمّان الجديد، المهندس أحمد الملكاوي، الذي عرف المدينة من داخل أمانتها وتدرج في مواقعها حتى تولى إدارة مدينتها، أضع هذه الرؤية لا بوصفها نقداً لما مضى، وإنما ثقةً بأن من عرف تفاصيل عمّان يستطيع أن يرى مستقبلها بعين أوسع؛ وأن كريدور عبدون، وهو ما يزال قادراً على أداء وظيفته، يستحق أن نحميه اليوم من أن يصبح غداً نسخة أخرى من ازدحامات عرفناها، وعانيناها، وكان يمكن أن نسبقها بالتخطيط.

فالمدن لا تختنق فجأة؛ تختنق قراراً بعد قرار، ومشروعاً بعد مشروع، حتى يصبح العلاج أغلى من الوقاية.

ومن هنا، فإن حماية الوظيفة الحضرية لكريدور عبدون ليست قيداً على التنمية، بل استثمار في مستقبل عمّان.

فلنمنح عمّان اليوم حكمةَ التخطيط، كي لا نترك عليها غداً دفع كلفةَ عدم التخطيط.

بقلم رصاص✏️

#أمين_عمان

#أمانة_عمان

#وزارة_الأشغال_العامة_والإسكان

#وزارة_البيئة

#عمّان

#كريدور_عبدون

#التخطيط_الحضري

#النقل_الحضري

#المدن_المستدامة

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات