عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي، وأعلنوا التوجه لعقد جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، في خطوة تثير تساؤلات حول ما إذا كان الخلاف سيبقى داخل المجلس أم سيتطور إلى مسار انقسامي.
وانتُخب عبد النبي خلال جلسة عُقدت في بنغازي، الثلاثاء، بحضور 111 نائباً، كما انتخب المجلس طارق الأشتر نائباً أول للرئيس، ومصباح دومة نائباً ثانياً، وزايد هدية مقرراً، ومحمد تامر نائباً للمقرر، إلى جانب ثلاثة مراقبين للمجلس.
رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
وجاء انتخاب هيئة الرئاسة الجديدة بعد تصويت 98 نائباً من أصل 102 حضروا جلسة سابقة يوم الاثنين على تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، في خطوة مهّدت لإعادة تشكيل هيئة الرئاسة، وإنهاء الترتيب السابق الذي ظل قائماً منذ انتخاب أول هيئة للمجلس في عام 2014، ولم تخلُ من جدل برلماني.
وبحسب مراقبين، قاد فريق من النواب تحركاً رافضاً لانتخاب هيئة الرئاسة الجديدة، برز من بينه عضو مجلس النواب عن الزاوية علي بوزريبة، الذي وصف جلسة بنغازي، وما نتج عنها من قرارات، بأنها «غير شرعية»، معلناً عن جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، مع توقع مشاركة أكثر من 60 نائباً، وفق تصريحات لقناة محلية.
من جهته، انتقد النائب عبد النبي عبد المولى ما اعتبره تدخلاً في خيارات النواب من جانب أطراف في السلطة في شرق البلاد. وقال، في تصريحات صحافية، إن إصلاح المجلس يجب أن يتم من داخله، رافضاً أي ضغوط خارجية، ومشدداً على ضرورة خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة التشريعية.
من عملية فرز أصوات النواب الليبيين خلال جلسة انتخاب رئيس جديد للمجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي للمجلس)
ويمثل هذا التحرك أول اختبار للرئاسة الجديدة، ليس فقط لجهة قدرتها على تثبيت نتائج جلسة بنغازي، وإنما أيضاً في التعامل مع كتلة نيابية، ترى أن تغيير هيئة الرئاسة جرى وفق إجراءات غير قانونية.
ورغم الهوة بين كتلتين في مجلس النواب، فإن تقديرات سياسيين ومحللين تستبعد أن يتجه المشهد البرلماني للانقسام بين طرابلس وبنغازي، علماً بأن ليبيا تعيش تنازعاً على السلطة بين طرفين في المدينتين الرئيسيتين في غرب البلاد وشرقها منذ أكثر من 12 عاماً.
وجهة النظر السابقة تبناها المحلل السياسي الليبي عمر أبو سعيدة، الذي أدرج مواقف النواب الرافضين في إطار «الضغط والمناورة» لتحسين شروط التفاوض بشأن توزيع المناصب واللجان وآليات إدارة المجلس، أكثر من كونها خطوة أولى لتقسيم المؤسسة التشريعية.
اقرأ ايضا: تركيا: داود أوغلو يحل حزب «المستقبل» لـ«اعتبارات أخلاقية»
وبحسب أبو سعيدة، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن الدعوة إلى عقد جلسة في طرابلس يمكن أن تستخدم لإظهار قدرة بعض الكتل على تحريك المشهد السياسي في غرب ليبيا، والضغط على الرئاسة الجديدة، عبر مسألة النصاب ومكان انعقاد الجلسات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة السعي إلى إنشاء جسم برلماني موازٍ.
الرؤية نفسها التي تستبعد حدوث انقسام برلماني أيدها أيضاً المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة السنوسي إسماعيل، الذي نسب إلى مصدر لم يسمه القول بأن عقيلة صالح هنأ الصالحين عبد النبي بتولي رئاسة المجلس، ورفض أي انقسام داخله، وأوضح أنه يعتزم الاستمرار عضواً في المجلس والعمل مع زملائه وهيئة الرئاسة الجديدة بصورة اعتيادية.
وبحسب ما نسبه السنوسي إسماعيل إلى المصدر، فإن صالح يرفض أيضاً عقد اجتماع في طرابلس لمناقشة ما جرى، كما يرفض أي وساطة دولية للتدخل في الخلاف، المتعلق بإبعاده من رئاسة المجلس.
ووسط هذه التطورات التي بدا أنها كانت متوقعة، حاول الرئيس الجديد لمجلس النواب توجيه رسالة احتواء مبكرة إلى أعضاء المجلس، مؤكداً أنه سيكون «رئيساً لكل أعضاء مجلس النواب»، وأنه حريص على أن تكون المؤسسة التشريعية «جامعة»، وأن تعبّر عن تطلعات الليبيين بمختلف مكوناتهم.
لكن اختيار طرابلس لعقد الجلسة يضيف بُعداً آخر إلى الخلاف، في ظل الترتيبات السياسية الأوسع التي تشهدها ليبيا. وهنا يرى الباحث السياسي حسام فنيش أن اللقاءات التي أجراها أعضاء من مجلس النواب مع ممثلين عن حكومة عبد الحميد الدبيبة حول عقد جلسة في طرابلس لا ينبغي تفسيرها تلقائياً باعتبارها مشروعاً لتقسيم المجلس.
عقيلة صالح (النواب)
ويربط فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا التحرك بالسياق السياسي لاتفاق «4+4»، الذي وقعته أطراف الصراع في نهاية أغسطس (آب) الماضي، ويتضمن ترتيبات بشأن عقد جلسات مجلس النواب والسلطة التنفيذية بصورة دورية بين طرابلس وبنغازي وسبها.
ومن هذه الزاوية، قد يكون عقد جلسة في طرابلس جزءاً من تهيئة سياسية ومؤسسية لمسار أوسع، يتعلق بتوزيع نشاط مؤسسات الدولة بين المدن الليبية، وفق فنيش، ومن دون أن يمثل بالضرورة تطبيقاً مباشراً للاتفاق أو إعلاناً عن انقسام المجلس.
وتبقى المسألة الأهم هي ما إذا كانت جلسة طرابلس، في حال انعقادها، ستظل تحركاً سياسياً داخل المؤسسة التشريعية، أم تتحول إلى مسار مؤسسي مستقل عن رئاسة المجلس المنتخبة في بنغازي.
وهنا يرى أبو سعيدة أن حسم هذه المسألة يرتبط بمدى الالتزام بالقواعد الإجرائية للمجلس، مستخلصاً أن أي جلسة أو قرارات جديدة تحتاج إلى توافر الشروط القانونية للنصاب والانعقاد حتى تكتسب أثراً مؤسسياً.




