لم يعد السباق السياسي في ليبيا مقتصراً على آليات تشكيل حكومة جديدة في بلد يعيش انقساماً حكومياً منذ سنوات، بل امتد ليشمل الإعلان عنها بشكل أحادي، حسب خبراء.
ففي ظل انسداد المسار السياسي وتعثر الانتخابات، باتت منصات التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو أخيراً مسرحاً لإعلانات متتالية عن «حكومات افتراضية»، يُصرح أصحابها أنفسهم بأنهم رؤساء لها من دون تكليف محلي رسمي، أو اعتراف دولي.
هذه الحكومات التي بدت من منظور سياسيين «افتراضية»، تعكس «ذروة الفوضى السياسية» في البلاد منذ عام 2014، وهي رؤية رئيس حزب «الجبهة الوطنية» عبد الله الرفادي، فيما ذهب المستشار السابق لرئيس المجلس الأعلى للدولة، السنوسي إسماعيل، إلى وصفها بأنها «مسرحيات في الهواء الطلق تبرهن على عمق الأزمة الليبية»، حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».
رئيس حكومة الوحدة «المؤقتة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)
وتعكس ردود الفعل الغاضبة حالة الجدل والارتباك المثار حول مساعي بعض الشخصيات لإعلان نفسها في مناصب تنفيذية رفيعة، وكان آخرها ما أعلنه الناشط الليبي سعيد قدارة بشأن تشكيل ما سماه «حكومة الطوارئ الوطنية»، داعياً المواطنين – عبر كلمة مصورة – الجمعة إلى الخروج للشارع ودعم هذه المبادرة.
وهذه هي ثاني حكومة من جانب واحد، يُعلن عنها خلال فترة وجيزة، بعد أسبوع فقط من إعلان مصطفى المجدوب تشكيل حكومة جديدة من مدينة جنيف، قال إنها منبثقة عن «ملتقى سياسي» ضم نحو 60 شخصية ليبية من الأقاليم التاريخية الثلاثة.
وتعهد قدارة بأن حكومته تستهدف إنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وإطلاق مشروع للمصالحة الوطنية، مع الالتزام بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال 30 شهراً، كما وجّه خطاباً إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، دعاه فيه إلى التعاون مع حكومته المعلنة.
الناشط الليبي سعيد قدارة ملقياً خطابه في تسجيل مصور لينصب نفسه رئيساً لحكومة الطوارئ الجمعة (صفحة الناشط الليبي طارق سعد)
ولم تكتسب هذه الحكومات التي يجري الإعلان عنها أي دعم داخلي واضح أو اعتراف دولي حتى اللحظة، بل نالت نصيباً واسعاً من النقد والسخرية.
وقال الدبلوماسي الليبي عادل عيسى «على بركة الله… إعلان تشكيل الحكومة الرابعة. يبدو أن يوم الجمعة أصبح موسماً لتشكيل الحكومات، لكن هذه المرة الأجواء مختلفة… حكومة على ضوء الشموع، بطابع رومانسي، في انتظار أن تضيء الطريق قبل أن تدير شؤون البلاد والعباد»، في إشارة إلى انقطاع الكهرباء المتكرر في كثير من المدن الليبية.
قد يهمك أيضًا: حزب السادات: إعادة تنظيم جهاز «مستقبل مصر» يعزز تنافسية الاقتصاد الوطني
ويأتي ذلك بينما لا تزال ليبيا تعيش انقساماً مؤسسياً بين حكومتين، إحداهما «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد في بنغازي.
ويبدو أن ظاهرة «الحكومات الافتراضية» مرشحة للتوسع. وفي هذا السياق، قال القائد السابق لقوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار، إن شخصية ليبية أخرى تسعى إلى جمع سياسيين ليبيين لعقد اجتماع في جنيف خلال الأيام المقبلة، بهدف إعلان حكومة جديدة، على غرار الحكومة التي أعلنها مصطفى المجدوب. كما تداول نشطاء تسجيلاً مصوراً لمواطن من منطقة الجبل الغربي (غرب البلاد) أعلن عزمه تأسيس حكومة جديدة، قائلاً إنه يريد تقديم نفسه لرئاسة ليبيا وخدمة الليبيين.
وامتدت السخرية إلى وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما أعلنت الناشطة الحقوقية انتصار القليب، في منشور ساخر، نفسها رئيسة لـ«حكومة الانتصار والاستقرار»، ودعت أصحاب الكفاءات إلى إرسال سيرهم الذاتية لشغل الحقائب الوزارية، كما سلك الناشط السياسي خالد الحجازي النهج نفسه بإعلان مماثل على سبيل التهكم.
صدام حفتر خلال اجتماع مع قادة عسكرين وأمنيين في الجنوب الليبي الأسبوع الماضي (إعلام الجيش الوطني)
غير أن الكاتب الليبي مصطفى الفيتوري قال إن الهجوم على إعلان تلك الحكومات «يفتقر إلى الاتساق»، متسائلاً عن سبب الاعتراض على مبادرة فردية، في وقت شهدت فيه ليبيا، خلال السنوات الماضية، حكومات تشكلت من دون أساس انتخابي أو قانوني واضح، وبإسناد خارجي في كثير من الأحيان.
وحسب اعتقاده فإن «التدخلات الدولية، أكثر من الإرادة الشعبية، ظلت العامل الحاسم في إنتاج السلطات»، متسائلاً عما يمنع أي مبادرة جديدة من نيل الدعم ذاته، وذلك في منشور عبر حسابه الرسمي بموقع «فيسبوك».
لكن المفارقة أن هذا النوع من الإعلانات ليس جديداً على المشهد الليبي. ففي عام 2013، وفي ذروة الاضطرابات الأمنية التي أعقبت سقوط نظام معمر القذافي، أعلن أنصار الفيدرالية في مدينة أجدابيا تشكيل ما عرف بـ«حكومة برقة» في شرق البلاد. ووقتذاك، أي قبل 13 عاماً، أقيمت مراسم أداء اليمين لأكثر من عشرين وزيراً أمام علم برقة، فيما تولى رئاسة الحكومة عبد ربه البرعصي، في خطوة لم تحظَ بأي اعتراف رسمي، لكنها عكست مبكراً قابلية المشهد الليبي لظهور سلطات موازية.
في المقابل، فإن التحركات الأخيرة على مسار «الحكومات الافتراضية» في ليبيا بدت لمراقبين، أنها ليست عشوائية أو محض مصادفة، أو مجرد بحث عن شهرة، لكنها تحمل في طياتها أهدافاً سياسية جرى هندستها عن عمد، وقد تتصل بمبادرة طرحها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس منذ أشهر، تهدف، وفق المتداول، إلى تقاسم السلطة في ليبيا.
مسعد بولس (أ.ف.ب)
وفي هذا السياق، لا يستبعد المحلل السياسي، عبد الحكيم فنوش، أن يكون الظهور المكثف لهذه الشخصيات، وفي هذا التوقيت، «محاولة من أطراف في السلطة في غرب ليبيا، وخصوصاً الدبيبة، للتشويش على المبادرة الأميركية، وإظهار أنها مرفوضة من قطاعات في غرب البلاد، خصوصاً في ظل الضغوط التي يواجهها من حلفائه»، حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».
وتقوم مبادرة بولس، وفق ما تسرب عنها، على تولي نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» صدام حفتر منصب رئاسة المجلس الرئاسي، فيما يحتفظ الدبيبة بمنصبه رئيساً لحكومة موحدة.




