ضغطت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، التي تواجه حالياً تحديات عدة، أبرزها العثور على بديل من المدعي العام السابق كريم خان الذي أقيل بسبب ادعاءات عن سوء سلوك، وانسحاب عدد من الدول من عضويتها.
وفيما كان أنصار المحكمة يحاولون رسم مسار لمستقبلها، كتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مقالاً في صحيفة «وول ستريت جورنال» أعلن فيه أن الإدارة ستعمل على تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تُعد من أخطر التحديات التي تواجه النظام القانوني الدولي بعد الحرب الباردة.
وتؤجج هذه الحملة المواجهة بين أقوى دولة في العالم والمحكمة التي أنشئت لمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان، مما قد يُؤدي إلى تداعيات خطيرة على العدالة الدولية، ومستقبل النظام العالمي القائم على القواعد.
وتحت عنوان: «لماذا نفكك المحكمة الجنائية الدولية؟»، كتب روبيو أن هذه المؤسسة القانونية تجاوزت ولايتها الأصلية، وأصبحت تشكل تهديداً مباشراً لسيادة الولايات المتحدة. وقال: «لم توافق أميركا قط على محكمة دولية تتجاوز صلاحيات محاكمنا ودستورنا»، محذراً من أن الجنود الأميركيين، وضباط إنفاذ القانون، وعناصر حرس الحدود، والمسؤولين المنتخبين قد يواجهون المحاكمة أمام محكمة دولية، رغم أن الولايات المتحدة لم تصادق قط على نظام روما الأساسي المنشئ لهذه المحكمة. وأكد أنه «باستخدام جميع الأدوات المتاحة لحكومتنا، وبالتعاون مع كل حليف يمكننا العمل معه لتحقيق هدف مشترك، سنفكك المحكمة الجنائية الدولية -حجراً بحجر، إذا لزم الأمر».
وتمثل هذه الحملة تصعيداً خطيراً في معارضة واشنطن المستمرة منذ فترة طويلة للمحكمة التي تتخذ من لاهاي مقراً لها.
ووقعت الولايات المتحدة على نظام روما الأساسي، لكنها لم تصادق عليه قط، وظلت تؤكد باستمرار على أنه لا ينبغي للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصها القضائي على رعايا الدول غير الأطراف في المعاهدة.
رئيسة جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية بايفي كاوكورانتا خلال جلسة تصويت في مقر الأمم المتحدة في نيويورك للنظر في إقالة المدعي العام كريم خان (رويترز)
وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، تعتزم الإدارة الجمع بين العقوبات وقيود التأشيرات والضغوط الدبلوماسية للحد من قدرة المحكمة الجنائية الدولية على العمل، مع حض الحلفاء على رفض أي محاولة من جانب المحكمة لفرض اختصاصها على الأفراد الأميركيين.
ويأتي هذا الهجوم بعد سنوات من تصاعد التوتر بين واشنطن والمحكمة بشأن التحقيقات في جرائم يعتقد أنها ارتكبت في أفغانستان، ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومسؤولين إسرائيليين آخرين، وهي إجراءات عارضتها إدارة ترمب بشدة.
اقرأ ايضا: ترمب يرشّح شرطياً سابقاً لرئاسة جهاز الهجرة والجمارك
ولاقت هذه الخطوة انتقادات من فقهاء القانون ومنظمات حقوق الإنسان الذين يرون أن تفكيك المحكمة الجنائية الدولية الدائمة الوحيدة في العالم من شأنه أن يُضعف المساءلة العالمية عن الفظائع، ويقوض النظام الدولي القائم على القواعد، والذي أرسي بعد الحرب العالمية الثانية.
كما شكك العديد من الخبراء في الحجج القانونية التي ساقها الوزير روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، معتبرين أن اختصاص المحكمة يقتصر عموماً على الجرائم المرتكبة على أراضي الدول الأعضاء، أو الحالات التي يحيلها مجلس الأمن، وليس على تمثيل سلطة عالمية على كل الدول.
ورفض القادة الأوروبيون موقف واشنطن، واصفين التهديدات الموجهة للمحكمة بأنها غير مقبولة، ومؤكدين دعمهم للمحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة قضائية مستقلة.
وتأتي حملة الإدارة الأميركية في وقت عصيب شهد انسحاب عدد من الدول من عضوية المحكمة، في ظل البحث عن بديل لكريم خان.
ويقول مراقبون للمحكمة إنه قد يكون من الصعب إيجاد بديل مناسب لخان في ظل تصعيد الولايات المتحدة لحملتها الدبلوماسية، ولا سيما في وقت تلوح فيه الولايات المتحدة بالمزيد من العقوبات على المحكمة التي تريد واشنطن منها إسقاط مذكرات التوقيف الصادرة بحق قادة إسرائيليين، والتوقف عن التحقيق في الجرائم المزعومة التي تورطت فيها القوات الأميركية.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين أميركيين أنهم يدرسون الضغط على الدول للانسحاب من المحكمة.
وبالفعل، صارت تشاد يوم الاثنين خامس دولة تبدأ إجراءات الانسحاب الرسمية في الأشهر الأخيرة، بعد كل من فنزويلا، وبوركينا فاسو، ومالي، والنيجر.
وكانت فنزويلا أعلنت في وقت متقدم الجمعة، حيث كانت المحكمة الجنائية الدولية تُجري تحقيقات في مزاعم ارتكاب الحكومة السابقة جرائم ضد الإنسانية، أنها بدأت الإجراءات الرسمية للانسحاب.
واتهمت الدولتان المحكمة بالتركيز بشكل غير متناسب على الدول غير الغربية.
وفي أوائل يوليو (تموز) الماضي، أعلنت المحكمة أن ثلاث دول أفريقية تحكمها قيادات عسكرية -وهي بوركينا فاسو ومالي والنيجر- بدأت رسمياً إجراءات الانسحاب، والتي تستمر عاماً حتى تدخل حيز التنفيذ.




