حذّرت تقارير أممية ودولية من تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار التصعيد العسكري الذي تنفذه الجماعة الحوثية في الجبهات الداخلية، ومواصلتها استهداف الملاحة التجارية الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بالتزامن مع تراجع التمويل الإنساني وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
وقالت الأمم المتحدة إن التصعيدات العسكرية الأخيرة والتوترات السياسية في اليمن والمنطقة تهدد بتقويض حالة الاستقرار الهشة، وتفاقم الأزمة الإنسانية التي تتسم بارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي، وتراجع التمويل الإنساني، وتدهور خدمات الصحة والحماية.
وأكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن اليمن لا يزال يواجه واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، مشيراً إلى أن أكثر من 22 مليون شخص؛ أي ما يقارب نصف السكان، يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية وخدمات الحماية.
سفينة شحن أميركية راسية في ميناء عدن تحمل مساعدات لليمن (أرشيفية – رويترز)
وفي السياق ذاته، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) من تصاعد أزمة انعدام الأمن الغذائي، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مرجعة ذلك إلى تداخل عوامل اقتصادية وإنسانية وإقليمية، إلى جانب تداعيات التغيرات المناخية.
وذكرت المنظمة، في تقريرها الصادر ضمن «نشرة السوق والتجارة»، أن أكثر من 53 في المائة من سكان اليمن قد يواجهون مستويات أزمة غذائية أو أسوأ، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC3)، خلال الأشهر المقبلة.
بيّنت «الفاو» أن اليمن يسجل أعلى معدل عالمي من حيث عدد الأشخاص الذين يواجهون مستويات طارئة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، وقد صنفت ضمن المرحلة الرابعة (IPC4)، في مؤشر يعكس التدهور المتسارع للأوضاع المعيشية.
وأوضحت المنظمة أن الوضع الإنساني في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين بلغ مستويات حرجة، نتيجة توقف عمليات الأمم المتحدة بشكل كامل، إلى جانب النقص الحاد في التمويل الدولي، الأمر الذي أبقى خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 ممولة بأقل من 15 في المائة.
وأكدت أن استمرار الضغوط الاقتصادية، وتراجع الدعم الإنساني، وتداعيات الأزمات الإقليمية والصدمات المناخية، كل ذلك من شأنه أن يوسع رقعة الاحتياجات الغذائية في اليمن خلال الفترة المقبلة.
مخيمات النازحين اليمنيين تفتقد كثيراً من الخدمات الإنسانية (إعلام محلي)
وتشير أحدث التقارير الأممية إلى أن استمرار النزاع والتدهور الاقتصادي وتراجع التمويل الإنساني، إلى جانب الاضطرابات التي تطول حركة التجارة والشحن البحري والتأثيرات المناخية، تدفع ملايين اليمنيين نحو مستويات أشد من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.
اقرأ ايضا: «التنسيقية» تناقش مشروع قانون الاتحادات الطلابية لتعزيز المشاركة
ويعتمد اليمن على استيراد نحو 90 في المائة من احتياجاته الغذائية، ما يجعله أكثر عرضة لتداعيات اضطرابات الملاحة البحرية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين على السفن، وهو ما ينعكس على أسعار السلع الأساسية ويضعف القدرة الشرائية للأسر، في وقت تتراجع فيه مصادر الدخل وتتسع رقعة الفقر.
وتحذر التقارير من أن المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين مرشحة لتسجيل مستويات أعلى من التدهور الإنساني، نتيجة استمرار القيود الاقتصادية وتعثر الأنشطة التجارية وتراجع المساعدات الإنسانية، فضلاً عن تأثيرات التغيرات المناخية، بما في ذلك الفيضانات والجفاف، على الإنتاج الزراعي وسبل العيش.
كما حذّرت المنظمات الدولية من أن استمرار التصعيد العسكري، سواء داخل اليمن أو في الممرات البحرية، قد يؤدي إلى تعطيل إضافي لوصول السلع والمساعدات الإنسانية، ويزيد صعوبة الاستجابة للاحتياجات المتنامية، خصوصاً في ظل اتساع فجوة التمويل التي تواجه برامج الإغاثة.
كان برنامج الأغذية العالمي قد أكد، في أحدث تقاريره، أن مستويات الأمن الغذائي تدهورت بصورة مقلقة خلال الربع الثالث من العام الحالي، مشيراً إلى أن 12 مديرية يمنية، غالبيتها تقع تحت سيطرة الحوثيين، سجلت ارتفاعاً حاداً في معدلات انعدام الأمن الغذائي.
وأوضح البرنامج أن أسراً كثيرة باتت تلجأ إلى استراتيجيات قاسية للبقاء، من بينها تقليص عدد الوجبات اليومية، والاستدانة، وبيع الأصول، محذراً من أن استمرار هذا الوضع قد يقود إلى مجاعة واسعة النطاق إذا لم يُستأنف التمويل الإنساني بصورة عاجلة.
وفي الجانب الاقتصادي، أكد البرنامج أن الإجراءات التي اتخذتها جماعة الحوثيين بحق المنظمات الإنسانية والقطاع الخاص، أسهمت في تعميق الأزمة الإنسانية والاقتصادية في مناطق سيطرتها.
وأوضح أن سلطات الحوثيين في صنعاء صعّدت من فرض الضرائب والجبايات، إلى جانب مصادرة أصول تعود لتجار ومستثمرين، وهو ما انعكس سلباً على مصادر دخل السكان وسبل معيشتهم.
انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي يهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)
وأشار التقرير إلى أن الاقتصاد في مناطق سيطرة الجماعة لا يزال يواجه تحديات كبيرة؛ من أبرزها تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، وأزمة السيولة، والعقوبات، وانتقال المراكز الرئيسية للبنوك من صنعاء إلى عدن، إضافة إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي.
ولفت إلى أن الأضرار التي لحقت بموانئ البحر الأحمر أسهمت في انخفاض الإيرادات، مقدراً حجم الخسائر بنحو 1.4 مليار دولار.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من اتساع فجوة الاحتياجات الإنسانية في اليمن، وسط دعوات إلى تعزيز الدعم الإنساني والاقتصادي، وخفض التصعيد، وضمان انسياب حركة التجارة الدولية ووصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، لتجنب انزلاق البلاد إلى أزمة غذائية وإنسانية أكثر تعقيداً.




