فرض ملف اللاعبين أصحاب الأصول المشتركة ومزدوجي الجنسية في القارة الأوروبية نفسه بقوة على طاولة الكرة المصرية، مدفوعًا بالنجاح الباهر الذي حققته التجربة المغربية في استقطاب كوكبة من خريجي الأكاديميات الكبرى وصناعة منتخب ينافس على أعلى المستويات العالمية.
وجاء الظهور اللافت للموهوب الصاعد يونس إبراهيم بقميص برايتون الإنجليزي في دوري المؤتمر الأوروبي، وصناعته هدفًا حاسمًا فور نزوله، ليعيد تسليط الضوء على قاعدة عريضة من المواهب المصرية الشابة المنتشرة في مسابقات النخبة، والتي تمتلك المقومات الفنية اللازمة لصناعة الفارق مع المنتخبات الوطنية مستقبلًا.
خطف يونس إبراهيم، نجم برايتون الإنجليزي الصاعد، اهتمام المتابعين في ظهوره الأول مع الفريق الأول، عندما نزل بديلًا في مواجهة كاوناس زالجيريس الليتواني ضمن منافسات دوري المؤتمر الأوروبي.
ودخل اللاعب البالغ من العمر 18 عامًا أرضية الميدان بدلًا من الغاني إبراهيم عثمان في الدقيقة 67 وفريقه متقدم بثلاثية نظيفة، ليحتاج إلى بضع ثوانٍ فقط كي يرسل كرة عرضية متقنة حولها زميله مات أورايلي برأسية مباشرة إلى الشباك، مسجلًا بصمة أولى لا تُنسى على الصعيد القاري.
لم تكن تلك اللقطة وليدة الصدفة، بل جاءت تتويجًا لمستويات تصاعدية قدمها اللاعب مع فرق المراحل السنية في برايتون، حيث سجل 5 أهداف وصنع هدفًا واحدًا خلال 9 مباريات فقط.
وُلد يونس في أستراليا وينحدر من أصول تجمع بين مصر والمغرب، وهو ما يمنحه وضعًا قانونيًا نادرًا بحمله 4 جنسيات معتمدة: المصرية، والمغربية، والأسترالية، والإنجليزية.
وقد صقل موهبته عبر محطات تكوينية قوية في قطاعات الناشئين بناديي لوتون تاون وتشيلسي قبل انتقاله إلى برايتون، وهو ما يجعله محور متابعة دقيقة من أجهزة التنقيب في أكثر من اتحاد كروي.
تواصل كرة القدم الألمانية تصدير أسماء مصرية واعدة تتميز بالانضباط والوعي التكتيكي العالي، ويأتي في مقدمتها سليم طلب، لاعب وسط هيرتا برلين.
وُلد طلب في برلين يوم 14 مارس 2006 ويحمل الجنسية المصرية، وتدرج في أكاديمية نادي العاصمة الألمانية منذ عام 2017 حتى فرض نفسه عنصرًا أساسيًا في فريق تحت 23 عامًا، قبل أن يدشن حضوره مع الفريق الأول في سبتمبر 2026.
ويتميز طلب بقدرته على ضبط إيقاع خط الوسط وتوزيع اللعب تحت الضغط، وهو ما شجعه على اختيار تمثيل مصر في الفئات السنية المختلفة تحت 16 وتحت 17 وتحت 20 عامًا، وكان ضمن القوام الأساسي للفراعنة في بطولة كأس العالم للشباب 2025 في تشيلي.
وفي المسار ذاته، يبرز تيبو جبريال كأحد أهم الحلول الدفاعية المستقبلية؛ إذ وُلد في فرانكفورت يوم 2 يناير 2006، ويحمل الجنسيتين المصرية والألمانية.
ينشط جبريال حاليًا في صفوف الفريق الثاني لنادي ماينز بدوري الدرجة الرابعة الألماني، ويمتاز بالمرونة التكتيكية عبر إجادته اللعب في مركزي الوسط المدافع وقلب الدفاع.
يمثل كريم أحمد حالة كروية فريدة بالنظر إلى نشأته التكوينية الاستثنائية؛ إذ قضى 13 عامًا داخل أروقة أكاديمية ليفربول الإنجليزي العريقة، بعدما انضم إليها وهو في سن السادسة من عمره.
تدرج المهاجم الشاب، المولود في مصر، في مختلف الفئات العمرية للريدز حتى وصل إلى فريق تحت 21 عامًا، واشتهر بتسجيله هدف الفوز في أول ظهور له مع فريق تحت 18 عامًا ببطولة كأس الاتحاد الإنجليزي للشباب أمام بورنموث في ديسمبر 2022، وكان حينها يبلغ 15 عامًا فقط.
اقرأ ايضا: نونو مينديز يرد على تصريحات لامين يامال قبل موقعة المونديال
وبعد توقيعه أول عقد احترافي له مع ليفربول عام 2025 إثر موسم مميز أحرز خلاله 7 أهداف وصنع 5، قرر اللاعب بعد انتهاء رحلته مع النادي في صيف 2026 فتح صفحة مغايرة تمامًا عبر الانتقال إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
وانضم كريم إلى فريق بيتسبرج بانثرز التابع لجامعة بيتسبرج للمنافسة في القسم الأول من دوري الجامعات الأمريكي (NCAA Division I)، وهي بيئة تجمع بين التطور البدني المكثف والتنافسية العالية، مما يمنحه فرصة فريدة للنضج وصقل مهاراته التهديفية.
تتجه الأنظار في إيطاليا صوب أمير أبو العز، مهاجم نادي مونزا، الذي يجسد التنوع الثقافي والكروي بحمله ثلاث جنسيات هي المصرية والإيطالية والأوكرانية.
وُلد المهاجم الشاب في 11 يونيو 2009، ورغم صغر سنه فإنه يشارك بفاعلية مع فريق مونزا تحت 20 عامًا، بفضل بنيته الجسدية القوية وحاسته التهديفية أمام المرمى.
ولفت أبو العز انتباه الأجهزة الفنية في الاتحاد المصري سريعًا، فخاض 7 مباريات مع منتخب مصر تحت 17 عامًا سجل خلالها هدفًا، وظهر في مباراة واحدة مع منتخب تحت 18 عامًا.
وفي سبتمبر الماضي، اختاره المدير الفني حسين عبد اللطيف ضمن القائمة النهائية لمنتخب الشباب المشاركة في بطولة الصداقة الأوروبية بسويسرا، حيث اختبر قدراته أمام مدارس كروية قوية ضمت منتخبات كولومبيا وإنجلترا وكوريا الجنوبية، ليؤكد أنه رهان هجومي يمكن الاعتماد عليه للمستقبل البعيد.
أثبتت الكرة المغربية خلال السنوات الأخيرة أن الاستثمار الممنهج في مواهب المهجر يعد ركيزة أساسية للنجاح الدولي، وهو ما تجلى بوضوح في بلوغ “أسود الأطلس” الدور نصف النهائي لكأس العالم والتربع على عرش المنتخبات العربية والإفريقية.
واعتمد النموذج المغربي على شبكة كشفية واسعة في دول مثل فرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا، وتواصل مباشر ومستمر مع اللاعبين وأسرهم منذ فئات الناشئين تحت 15 عامًا لبناء علاقة انتماء وثقة مبكرة، ما أثمر عن استقطاب نجوم بارزين فضلوا بلدهم الأم على بلدان المهجر.
ولا تتوقف الفكرة عند استدعاء الأسماء الجاهزة فحسب، بل تمتد إلى دمج هؤلاء الشبان مبكرًا داخل المنتخبات السنية للفراعنة لضمان انسجامهم وتثبيت ولائهم الرياضي وفق لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
إن نجاح مشروع استقطاب المواهب ذات الأصول المشتركة لا يتوقف على توجيه الدعوات الشفهية، بل يتطلب تأسيس إدارة متخصصة تعمل وفق استراتيجية طويلة الأمد، تشمل الآتي:
تدشين قاعدة بيانات رقمية شاملة ترصد جميع اللاعبين من ذوي الأصول المصرية في المسابقات الأوروبية منذ سن الرابعة عشرة، وتأسيس شبكة علاقات وتواصل مع الكشافين والأندية الأوروبية لمتابعة اللاعبين من سن مبكرة.
تفعيل التواصل المباشر مع عائلات اللاعبين وأنديتهم، وشرح المشروع الرياضي الخاص بالمنتخبات الوطنية بطريقة احترافية واضحة، ومساعدة اللاعبين وأسرهم على إنهاء الأوراق الثبوتية واستخراج جوازات السفر وتذليل أي عقبات إدارية أو تجنيدية قد تعيق انضمامهم للمنتخبات.
منح العناصر المتميزة فرصة التواجد في المعسكرات التدريبية للفئات السنية الأولى، وخلق روابط وجدانية وتواصل مع نجوم المنتخب الأول لتشجيعهم على اتخاذ القرار الحاسم مبكرًا.
إدماج المواهب الشابة في المعسكرات الدورية والبطولات الودية لتعزيز الشعور بالانتماء، وتقليص الفجوة الثقافية واللغوية سريعًا، وبناء منظومة تنسيق دائمة بين قطاع الناشئين في الاتحاد والجهاز الفني للمنتخب الأول لتوفير مسار صعود واضح لكل لاعب متميز.
إدراك أن بعض هؤلاء اللاعبين متاحون لمنتخبات أوروبية أو منتخبات إفريقية شقيقة مثل المغرب والجزائر، ما يجعل سرعة التحرك والجدية في العرض الرياضي عاملًا حاسمًا لارتدائهم قميص الفراعنة دون تردد.




