
احتوت تركيا وأذربيجان أزمة كادت تضرب علاقتهما التاريخية المتينة على خلفية التوتر حول قرار أصدرته باكو في سبتمبر (أيلول) الماضي بشأن قواعد الزي المدرسي تسبب في حظر للحجاب في بعض المدارس وسط انتقادات حادة من أنقرة.
ووجّه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، خلال زيارة بادر بالقيام بها إلى أذربيجان، الأحد، لحضور احتفالات «يوم النصر»، رسالة أكد فيها أن العلاقات بين بلاده وأذربيجان التي توصف بأنها علاقة «شعب واحد في بلدين» لا يمكن أن تضعف.
وقال إردوغان، في مؤتمر صحافي مع نظيره الأذربيجاني إلهام علييف عُقد في مدينة فضولي في ناغورنو كاراباخ، إن محاولات إضعاف علاقات الأخوة بين تركيا وأذربيجان، التي تعززت بـ«إعلان شوشة» عام 2021، لم تنجح في الماضي، ولن تنجح مستقبلاً، مؤكداً أن الوحدة بين البلدين ستدوم إلى الأبد، وأن الأخوة بين تركيا وأذربيجان تتجاوز بكثير مجرد اللغة والتاريخ والثقافة المشتركة.
إردوغان متحدثاً خلال مؤتمر صحافي مع علييف (الرئاسة التركية)
وأضاف أن «أولئك (دون تحديد أطراف معينة) الذين يسعون إلى إضعاف هذه الأخوة التي عززناها بالإعلان الذي وقَّعناه في مدينة شوشة بأذربيجان في 15 يونيو (حزيران) 2021، لن يحققوا أهدافهم، كما لم يحققوها في الماضي، ولن يحققوها في المستقبل». وتابع إردوغان أن المستوى المتقدم الذي وصلت إليه «منظمة الدول التركية» اليوم هو خير دليل على إرادتنا وجهودنا المشتركة.
وتطرق إردوغان إلى النصر الذي حققته أذربيجان في كاراباخ، وتحرير مدينة شوشة التاريخية عام 2020؛ ما أنهى الحرب مع أرمينيا، قائلاً إن تحرير أذربيجان لأراضيها من الاحتلال خلال «حرب الاستقلال» التي استمرت 44 يوماً قد فتح عهداً جديداً في جنوب القوقاز.
وأضاف: «مهمتنا اليوم هي تتويج النصر الذي تحقق في ساحات المعارك بسلام واستقرار دائمين» مؤكداً أن تركيا ستواصل دعمها جهود أذربيجان الصادقة لإرساء سلام دائم في منطقتنا.
بدوره، عبَّر علييف عن «امتنانه العميق لوجود الرئيس إردوغان إلى جانبهم في يوم النصر، لافتاً إلى وقوف إردوغان والشعب التركي الشقيق إلى جانب أذربيجان خلال حرب ناغورنو كاراباخ الثانية في 2020، قائلاً: «إن البيان الذي أدلى به إردوغان في الساعات الأولى من الحرب، والمكالمة الهاتفية التي أجراها معه، أظهرا للعالم أجمع أن تركيا الشقيقة تقف إلى جانب أذربيجان. وقد منحنا بيانه مزيداً من القوة والمعنويات المرتفعة».
علييف عبّر خلال المؤتمر الصحافي مع إردوغان عن شكره إياه والشعب التركي لموقفهما في حرب ناغورنو كاراباخ (الرئاسة التركية)
نوصي بقراءة: إسرائيل تفرج عن خمسة أسرى مدنيين لبنانيين… خطوة لإبقاء مفاوضات روما على المسار
واستذكر علييف كلمات الرئيس إردوغان، التي قال فيها إن أذربيجان ليست وحدها، وإن تركيا معها، مؤكداً أن الشعب الأذربيجاني يدرك هذا الأمر جيداً، وأن حرب ناغورنو كاراباخ الثانية أثبتت مجدداً وحدة تركيا وأذربيجان، وأن «إعلان شوشة» رفع العلاقات بين البلدين، رسمياً، إلى مستوى التحالف.
واستهدف إردوغان من زيارته أذربيجان وحضور احتفالات يوم النصر نزع فتيل التوتر بين البلدين على خلفية قرار الزي المدرسي الذي فرض قيوداً على ارتداء الحجاب في المدارس، ومنع تأثيره على علاقات سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية وثيقة، تترجم بعبارة «شعب واحد في دولتين»، التي تستخدمها الدبلوماسية في كل منهما.
واشتدّ الخلاف بين البلدين عندما انتقد كبير مستشاري إردوغان، أوكطاي سارال، القواعد الجديدة في أذربيجان، ما عدته أذربيجان تدخلاً في شؤونها الداخلية.
غاب علييف عن قمة منظمة الدول التركية في أنقرة في 30 أكتوبر رغم تكرار دعوته من جانب إردوغان بسبب التوتر بين البلدين على خلفية أزمة الحجاب في أذربيجان (الرئاسة التركية)
وأعلنت باكو في 21 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي 31 مواطناً تركياً «أشخاصاً غير مرغوب فيهم»، ووضعتهم على قائمة الممنوعين من دخول البلاد، من بينهم رئيس حزب «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، ونواب برلمانيون وصحافيون وناشطون على منصات التواصل الاجتماعي، وفي اليوم نفسه، اتصل إردوغان هاتفياً بـ«علييف»، ووجّه له الدعوة لحضور قمة «منظمة الدول التركية»، التي عُقدت في أنقرة في 30 أكتوبر، لكنه لم يحضر وأناب عنه وزير خارجيته جيهون بيراموف، رغم تأكيد الدعوة من جانب إردوغان في اتصاله الهاتفي، وإقالة كبير مستشاريه أوكطاي سارال.
ورغم عدم حضور علييف الذي بررته وسائل الإعلام في باكو بارتباطه المسبق بحضور حفل رياضي، وذلك بعدما ألقى خطاباً حاداً في 2 أكتوبر، شدد فيه على عدم قبول أي تدخل في شؤون بلاده، وأن الانتصار في ناغورنو كاراباخ تحقق بأيدي الجيش الأذربيجاني، وإذا كان هناك من أمد بلاده بالأسلحة، في إشارة ضمنية إلى تركيا، فإن بلاده اشترتها بأموالها، فإن إردوغان أعلن أنه سيزور أذربيجان للمشاركة في احتفالات يوم النصر.
واستقبل علييف وزوجته مهريبان الرئيس التركي وزوجته أمينة إردوغان، في مطار مقاطعة فضولي.
علييف وزوجته خلال استقبال إردوغان وزوجته في مطار فضولي في ناغورنو كاراباخ (أ.ف.ب)
وكان انتصار القوات الأذربيجانية في شوشة إعلاناً لانتهاء الحرب الطويلة مع أرمينيا، وبعده سيطرت أذربيجان على ناغورنو كاراباخ بالكامل في هجوم خاطف عام 2023 بدعم من أنقرة، بدأت بعده مفاوضات سلام مع أرمينيا بوساطة أميركية.
ورغم التوتر، تبقى تركيا وأذربيجان على ترابط وثيق على الصعيد العسكري وفي مجال الطاقة، وتشكل تركيا منفذاً أساسياً لصادرات أذربيجان من النفط والغاز الطبيعي إلى أوروبا.






