في الوقت الذي دخلت فيه التحضيرات الميدانية لانتخابات المحليات بالجزائر منعطفها الحاسم بدراسة ملفات الترشح والفصل فيها، تواجه الخريطة الحزبية معضلة تغطية جميع البلديات الجزائرية.
فالتحدي الأبرز يتمثل في «فلترة» الترشيحات بناء على قانون الانتخابات الجديد، لا سيما المعايير الصارمة المتعلقة بالنزاهة ومحاربة شبهات الفساد. وقد أرغمت هذه القيود الأحزاب على الاعتراف بصعوبة المنافسة، إذ إنها تهدد بإقصاء مئات المترشحين المحتملين.
وأعلنت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، في بيان صادر الاثنين، عن الحصيلة النهائية لعملية إيداع قوائم المترشحين لانتخاب أعضاء المجالس الشعبية البلدية والولائية المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، حيث أظهرت تقديم 5631 قائمة في كامل بلديات البلاد التي يبلغ عددها رسمياً 1541 بلدية، منها 5371 قائمة قدمتها أحزاب سياسية، و239 قائمة بعنوان «مرشحين مستقلين».
رئيس السلطة المستقلة للانتخابات بالجزائر (سلطة الانتخابات)
ووفق البيان نفسه، تسلمت هيئة الانتخابات 21 قائمة بعنوان «تحالف أحزاب سياسية». وبلغ العدد الإجمالي للمترشحين لهذه المجالس 141388 مترشحاً.
وفيما يخص المجالس الشعبية الولائية، أوضح البيان نفسه أنه تم إيداع 434 قائمة في كل الولايات البالغ عددها 69 ولاية؛ وجاء توزيعها كما يلي: 405 قوائم تحت رعاية أحزاب سياسية، و24 قائمة بعنوان «مترشحين مستقلين»، وخمس قوائم قدمتها تحالفات لأحزاب سياسية.
وقبل إسدال الستار على عملية إيداع قوائم الترشيحات، اجتهدت الأحزاب في البحث عن مرشحين تتوفر فيهم الشروط التي يفرضها قانون الانتخابات، وبشكل خاص تفادي أسماء تحوم حولها شبهة «الفساد» التي تسببت في إقصاء مئات المترشحين لانتخابات البرلمان التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، وكانت نسبة التصويت فيها أقل من 21 في المائة.
وسعت عدة أحزاب إلى استقطاب شخصيات معروفة بنزاهتها، من بينها مخضرمون، وخريجون شباب، وأعيان، وفاعلون في النسيج المجتمعي.
ويعكس هذا التوجه مفارقة واضحة، وفق مراقبين للساحة السياسية. فقد وجدت التشكيلات السياسية، التي يُفترض أن تتولى إعداد قياداتها وصقل كفاءاتها، نفسها مضطرة أحياناً إلى البحث خارج صفوفها عن شخصيات قادرة على تعزيز صورتها لدى الناخبين.
من إحدى جلسات مجلس النواب الجزائري (البرلمان)
وباتت السمعة الشخصية للمرشحين عنصراً أساسياً في استمالة الناخبين، بما قد يؤدي إلى تراجع أهمية البرامج الانتخابية، وحصيلة الإنجازات السابقة، ومدى فاعلية المشاريع المطروحة.
نوصي بقراءة: خارجية الشيوخ تدين استهداف ناقلة نفط سعودية: أمن الخليج خط أحمر
ووفقاً لتقارير صحافية، يتعيّن على الأحزاب إقناع الناخبين بأهمية التصويت وبقدرة المجالس المحلية على الاستجابة لاحتياجات السكان. وتشكل الشفافية، ومساءلة المنتخبين، والانسجام بين الوعود الانتخابية والقرارات المتخذة، عوامل أساسية يمكن أن تسهم في تعزيز هذه الثقة، حسب هذه التقارير.
ومن المنتظر أن توفر الحملة الانتخابية، التي ستنطلق يوم السابع من نوفمبر، مؤشراً أولياً على مستوى التعبئة السياسية؛ كما ستتيح الوقوف على مدى اعتماد التشكيلات السياسية على التنافس بين البرامج، بدلاً من الاكتفاء بالاستناد إلى شهرة المرشحين الشخصية.
وقبل أسابيع قليلة من موعد التصويت، يظهر أن التحدي لا يقتصر على تقديم أفضل المرشحين والحرص على استيفائهم الشروط القانونية، بل يتمثل أيضاً في إقناع المواطنين بأن المجالس المحلية تمتلك صلاحيات وقدرات فعلية تمكّنها من تحسين ظروف حياتهم اليومية.
ويعود القيادي في «حركة مجتمع السلم» الإسلامية المعارضة، عبد المنعم بن حمدة، في منشور طويل بحسابه بالإعلام الاجتماعي، إلى الشروط التي أقصت عدداً كبيراً من الترشيحات ما عقَّد، حسبه، من مهمة الأحزاب في مسعاها للبحث عن «المرشحين النزهاء».
وقال: «تبدو هذه الانتخابات استثناء في كل شيء، فهي انتخابات تجري في ظل بيئة إقليمية تتسم بالحذر وعدم الاستقرار، وفي ظل أزمات وحروب وتوترات متصاعدة في المنطقة، فضلاً عن بيئة داخلية معقدة وصعبة وغامضة، فيها كل شيء إلا الانتخابات».
ولفت إلى أن هذه الانتخابات «تجري دون مترشحين؛ فالنجاح في إيداع القوائم أصبح، في حد ذاته، هو الهدف». وتساءل: «لماذا عزف الجزائريون عن الترشح؟».
اجتماع قيادة «حركة مجتمع السلم» لضبط قوائم الترشيحات (إعلام حزبي)
ويرى بن حمدة أن ثمة ثلاثة أسباب تفسر النفور من الترشح، تأتي في مقدّمتها المادتان 184 و200 من قانون الانتخابات والمتعلقتان بشبهة التورط في الفساد.
وقال إن كان هذا النص قد أغلق الباب أمام الفاسدين، فهو بالمقابل «قتل الطموح لدى كثير من النزهاء، بسبب تخوفهم من الترشح ثم الإقصاء بحجج مجحفة وغير مؤسسة، قد تمس بسمعتهم الشخصية ومكانتهم الاجتماعية».
وأضاف: «أصبح المترشح المحتمل يتساءل قبل أن يقرر خوض الانتخابات: هل أخاطر بسمعتي ومستقبلي السياسي لمجرد احتمال أن يتم إقصائي بقرار إداري أو بناءً على شبهات لا تستند إلى أحكام قضائية نهائية؟».
والسبب الثاني، من وجهة نظره، هو أن الانتخابات المقبلة «لا تغري المناضلين، فالكثير من مناضلي الأحزاب السياسية باتوا زاهدين في الترشح بفعل بيئة سياسية متعبة ومتكلسة، وسنوات من النضال دون نتائج أو آفاق واضحة».
أما السبب الثالث للعزوف فيتمثل، حسب بن حمدة، في «غياب الآفاق السياسية في البلد؛ فإذا كانت الانتخابات التشريعية لا تؤدي إلى تغيير الحكومة ولا تفضي إلى تغيير واضح في السياسات العامة، فما جدوى المشاركة بالنسبة للمواطن والمناضل والمترشح؟».




