عززت حكومة «الوحدة» الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا انتشارها العسكري والأمني في العاصمة طرابلس، السبت، بالتزامن مع اتساع نطاق العصيان المدني، الذي يقوده «حراك أبناء سوق الجمعة» وتكتلات شبابية، في وقت شهدت فيه مناطق واسعة من البلاد انقطاعاً شاملاً للتيار الكهربائي.
وفي ظل غياب أي تعليق رسمي من حكومة «الوحدة»، رفعت الأجهزة الأمنية، السبت، مستوى الجاهزية والانتشار في المحاور الرئيسية، تنفيذاً لتوجيهات حكومية، هدفت إلى تعزيز التمركزات الأمنية في العاصمة، حسب شهود عيان.
دورية أمنية في محيط مجمع مليتة النفطي بمدينة زوارة الليبية (الكتيبة 105 مشاة التابعة لرئاسة الأركان في غرب ليبيا)
وأفادت وسائل إعلام ليبية، نقلاً عن شهود، بوصول أرتال مسلحة تابعة لقوة التدخل والسيطرة، التابعة لحكومة «الوحدة»، بقيادة مصطفى البشه، إلى طرابلس قادمة من مدينة مصراتة. كما تداول ناشطون مقاطع مصورة، قالوا إنها توثق تحركات هذه الأرتال، في حين لم تُعلن القوة عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك» أي تفاصيل بشأنها.
وفي موازاة ذلك، واصل «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة»، بقيادة عبد الرؤوف كارة، انتشاره الأمني في العاصمة، بعدما أظهرت وثيقة رسمية صادرة عن ديوان مجلس الوزراء بحكومة «الوحدة» توجيهات إلى الجهاز وإدارة المهام الخاصة بتكثيف الدوريات، والتمركزات الأمنية في عدد من المناطق، بهدف رفع مستوى الجاهزية وتعزيز الانتشار الميداني.
في غضون ذلك، شرعت وحدات عسكرية تابعة لرئاسة الأركان بحكومة «الوحدة» في تنفيذ خطة أمنية لتأمين محيط مجمع مليتة النفطي بالكامل داخل مدينة زوارة، تضمنت تسيير دوريات مكثفة، وإنشاء نقاط تفتيش وتوقيف، وذلك عقب إقدام محتجين، الثلاثاء الماضي، على إغلاق المجمع.
عبد الحميد الدبيبة رئيس «الوحدة» الليبية (الوحدة)
وتزامنت هذه الإجراءات مع استمرار محتجين من «حراك أبناء سوق الجمعة» في إغلاق عدد من المقار الحكومية بالعاصمة، ضمن حملة عصيان مدني تُطالب بإسقاط حكومة «الوحدة» التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، وجميع الأجسام السياسية، في ظل استمرار انقطاع الكهرباء، وتدهور الأوضاع المعيشية.
كما تجمع عشرات المتظاهرين في ميدان الشهداء وسط طرابلس، السبت، مرددين شعارات تدعو إلى «وحدة البلاد ورفض الانقسام بين شرقها وغربها».
وكان الحراك قد أكّد في بيان مساء الجمعة استمراره في الاعتصامات، وإغلاق المؤسسات داخل طرابلس «حتى تتحقق المطالب التي خرج من أجلها الناس»، عادّاً ما تحقق حتى الآن «ليس إلا خطوة في طريق طويل». وأضاف أن الحراك «حاضر في المشهد، وصوته مسموع»، ووصف القرارات الأخيرة المتعلقة بتأمين العاصمة بأنها «مكسب لطرابلس وأهلها»، موجهاً التحية إلى منتسبي جهاز الردع، ومؤكداً استمرار التشاور معهم.
تصفح أيضًا: اول تعليق من بلجيكا على تدخل ترامب لشطب بطاقة حمراء عن بالوغون
وشملت عمليات الإغلاق مقار تابعة لجهاز تنمية وتطوير المراكز الإدارية، والمؤسسة الليبية للاستثمار، وجهاز تنفيذ مشروعات الإسكان والمرافق، ومحيط ديوان المحاسبة، إضافة إلى مقر «وكالة الأنباء الليبية»، ووصلت حتى منزل عبد الحميد الدبيبة في منطقة النوفليين؛ حيث رفع المحتجون شعارات تطالب بمكافحة الفساد، وإنهاء عمل جميع الأجسام السياسية القائمة.
وتأتي هذه التحركات بعد إغلاقات مماثلة طالت خلال الأيام الماضية وزارات وهيئات حكومية، ضمن حملة يُشارك فيها ناشطون وتكتلات شبابية في مناطق سوق الجمعة وأبو سليم وتاجوراء.
ويرى مصدر مطلع أن ما تشهده العاصمة «قد يعكس بداية إعادة ترتيب للمشهدين الأمني والعسكري في طرابلس ومدن الغرب الليبي، بالتزامن مع تحركات ومبادرات دولية لإحياء العملية السياسية».
وانطلقت الاحتجاجات الأسبوع الماضي على خلفية الانقطاعات الطويلة للكهرباء، وارتفاع تكاليف المعيشة واتهامات بالفساد، قبل أن تمتد إلى مناطق أخرى في غرب ليبيا، فيما يؤكد منظمو الحراك تمسكهم بالطابع السلمي لتحركاتهم، محذرين من استخدام القوة لإنهاء الإغلاقات.
في سياق ذلك، دخل المفتي المعزول الصادق الغرياني على خط الأزمة، متهماً «جهات خارجية» بالوقوف وراء أعمال التخريب، وحذّر في الوقت نفسه حكومة «الوحدة» من استمرار الفساد.
وانتقد الغرياني سياسات الحكومة، عادّاً أنها «تدعم خصومها بسياسات خاطئة لعدم سماعها للناصحين»، داعياً إلى معالجة الأزمات بصورة جذرية، بدلاً من الاعتماد على «المسكنات».
وصول وحدة توليد كهربائي ذاتية التشغيل لطرابلس (الشركة العامة للكهرباء)
وفي تطور موازٍ للمشهد الميداني المشتعل، شهدت مدن عدة في شرق ليبيا وجنوبها، إلى جانب مناطق في الغرب، انقطاعاً شاملاً للتيار الكهربائي فجر السبت.
وأفادت مصادر محلية وتقارير ميدانية بأن الانقطاع طال مساحات واسعة من البلاد، من دون أن تعلن الشركة العامة للكهرباء على الفور عن أسباب محددة، في وقت تتواصل فيه أزمة الكهرباء منذ أسابيع، نتيجة نقص الوقود والأعطال الفنية وارتفاع الأحمال مع موجة الحر.
وجاء الانقطاع رغم إعلان حكومة «الوحدة» أخيراً عن إحراز تقدم في مشروعات لزيادة قدرات التوليد بمحطة جنوب طرابلس، ومحطة الخليج في سرت، ضمن مساعٍ تقول إنها تستهدف تحسين الإمدادات الكهربائية، واحتواء الاحتجاجات المتصاعدة.




