الرئيسيةالاخبار العاجلةالحوثيون يوظفون تصعيدهم في البحر الأحمر لتوسيع التعبئة الداخلية

الحوثيون يوظفون تصعيدهم في البحر الأحمر لتوسيع التعبئة الداخلية

لا يتوقف التصعيد في البحر الأحمر عند أنه انعكاس للتوترات الإقليمية، بل يمثل أيضاً تطوراً يدفع بالجماعة الحوثية إلى إعادة ترتيب جبهتها الداخلية، عبر توسيع التعبئة البشرية ورفع الجاهزية الأمنية والإعلامية تحسباً لمآلات المواجهة.

وخلال الأيام الماضية، تحول مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر إحدى أعلى بؤر التوتر حساسية، عقب إعلان الجماعة فرض «حظر بحري» واستهداف ناقلات نفط، في تصعيد يراه خبراء امتداداً لحملة «التعبئة العامة والاستنفار» التي أطلقتها قبل نحو شهر، بوصفها وفرت البيئة البشرية والتنظيمية للانتقال إلى مرحلة أكبر تصادمية.

ويرى الأكاديمي والباحث اليمني في العلوم السياسية، محمد الحميري، أن الجماعة تخاطر بإعادة إشعال الجبهات الداخلية ودفع أطراف إقليمية ودولية إلى تعزيز دعمها الحكومة اليمنية؛ بما قد يجعل الساحل الغربي والحديدة محوراً لأي تحركات عسكرية مستقبلية، ويتسبب في خسارة نفوذها هناك.

ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «انخراط الجماعة في التصعيد الإقليمي لم يحقق لها مكاسب ملموسة، بقدر ما ارتبط بأدوار إقليمية أوسع»، لافتاً إلى أن «المتغيرات الدولية، بما في ذلك إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة في الحديدة منذ مارس (آذار) الماضي، قد تعكس تحولاً في المقاربة الدولية تجاه سيطرة الجماعة على الساحل الغربي».

قرية يمنية تطل على مضيق باب المندب (رويترز)

ويرجح أن حسابات القوى الدولية الكبرى، وفي مقدمها الولايات المتحدة، اختلفت كثيراً بفعل الممارسات الحوثية في البحر الأحمر، عمّا كانت عليه في السابق، مشيراً إلى أن «اتفاق استوكهولم» الخاص بالحديدة وموانئها قبل 8 أعوام، الذي جاء برعاية دولية، «كان قد سحب التفوق العسكري للحكومة إلى امتيازات سياسية للحوثيين».

ويأتي هذا التقدير في وقت تبدو فيه حملة التعبئة الأخيرة أوسع من مجرد عملية تجنيد تقليدية، بعد توسيعِ برامج التدريب تحت غطاء «دورات طوفان الأقصى»، والاستهدافِ الشامل للجامعات والمؤسسات الحكومية؛ لتوفير مخزون بشري جديد، وترسيخ خطاب عقائدي يهيئ المجتمع لاحتمال اتساع المواجهة، ويمنح الجماعة قدرة أكبر على مواصلة التصعيد وفق التطورات.

ويَعدّ «مركز اليمن والخليج للدراسات الاستراتيجية»، وهو مركز بحثي يمني، إعلانَ التعبئة الحوثية في يونيو (حزيران) الماضي «انتقالاً من الحشد المرتبط بظروف الحرب، إلى تأسيس منظومة تعبئة دائمة ذات طابع مؤسسي، موازية للقوات ذات الطابع النظامي».

صيادون يمنيون في مضيق باب المندب الذي يهدد الحوثيون بإغلاقه (أ.ب)

ويورد «المركز» في تحليله أن التشكيل الجديد، الذي يحاكي نموذج «الباسيج» الإيراني، لا يقتصر دوره على رفد الجبهات، «بل يمتد إلى تعزيز الرقابة المجتمعية، وتوسيع شبكات الولاء، وإسناد الأجهزة الأمنية»، بما يجعل «مكتب التعبئة»، الذي أعلن زعيم الجماعة تأسيسه مطلع العام ما قبل الماضي، مركزاً إدارياً وعسكرياً يحمي تماسك الجماعة داخلياً.

وتبدو انعكاسات هذا التحول واضحة مع التصعيد الأخير في البحر الأحمر، إذ انتقلت الجماعة من استهداف سفن مرتبطة بإسرائيل إلى توسيع دائرة عملياتها وإعلان «حظر بحري»، في خطوة رفعت المخاوف بشأن أمن الملاحة وإمدادات الطاقة، وأظهرت أن البنية التعبوية التي بُنيت خلال الأسابيع الماضية بدأت تنعكس عملياً على مستوى العمليات العسكرية خارج الحدود اليمنية.

نوصي بقراءة: إقرار نظام معدل لنظام الأبنية والتنظيم في مدينة عمّان

ويؤكد الباحث السياسي اليمني صلاح علي صلاح أن الجماعة «ما زالت تمتلك القدرة على الحشد والتجنيد من خلال التعبئة، بفعل سيطرتها الميدانية وامتلاكها الأدوات التي تسهل لها ذلك، فهي تحتكر المال والغذاء وتمارس الترهيب والترغيب، فلا يكون أمام غالبية السكان سوى الإذعان».

مقاتلون يمنيون مؤيدون للحكومة اليمنية خلال وقفة لهم في الخوخة على ساحل البحر الأحمر (أ.ف.ب)

ووفق ما أدلى به صلاح لـ«الشرق الأوسط»، فإن إطالة حالة «اللاحرب واللاسلم» خلقت ضغوطاً داخلية، دفعت بالجماعة إلى «إعادة تنشيط خطاب (الحصار) المزعوم، وتوجيه اهتمام الرأي العام نحو خصوم خارجيين، بالتزامن مع إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية».

ويلفت إلى أن «شعارات التعبئة الدينية ومخاطبة الناس بموضوعات، مثل السيادة والقضية الفلسطينية ورفع الحصار، ممزوجة بأوضاع اقتصادية سيئة، تستطيع جلب كثير من المقاتلين قليلي التكلفة، وهو ما تحرص الجماعة عليه، وتُطَوِّر مهاراتها فيه خلال السنوات الماضية».

ولا تبدو التعبئة، في هذا السياق، مجرد استجابة لحاجات الجبهات، بل تأتي أيضاً جزءاً من استراتيجية تمنح الجماعة هامشاً أوسع لإدارة صراع طويل، فالحشد العسكري تَرافق مع توظيف الخطاب الإقليمي لتبرير استمرار الاستنفار، وتوفير غطاء سياسي وشعبي لقرارات التصعيد، بما يخفف من وطأة الأزمات الاقتصادية والضغوط الداخلية في مناطق سيطرتها.

تجمع لأنصار الجماعة الحوثية في صنعاء عقب إعلان التصعيد الأخير قبل أيام (أ.ب)

من جانبه، يذهب الكاتب اليمني باسم منصور إلى أن التصعيد يمثل رسالة تحدٍ للضغوط الدولية في ظل استمرار التحذيرات والضربات الأميركية المرتبطة بالمحور الإيراني، وأن الجماعة «اعتادت توظيف التوترات العسكرية لعرقلة مسارات السلام ورفع تكلفة أي ضغوط خارجية، دون الأخذ في الحسبان التحولات المتسارعة في المواقف الدولية».

فالمشهد الراهن، كما يراه في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد أن حملة التعبئة العامة التي أطلقتها الجماعة قبل شهر «لم تكن مجرد استعراض قوة محلي، بل كانت خطوة تمهيدية مدروسة لرفع تكلفة المواجهة البحرية، والسعي لتحويل البحر الأحمر رهينةً، ووضع الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة أمام اختبار خطير».

وتعزز التطورات الأخيرة هذا التقدير؛ إذ لم يعد التصعيد يقتصر على استهداف سفن بعينها، بل اتجه إلى توسيع نطاق تهديد الملاحة الدولية، بما يضع أحد أهم الممرات البحرية أمام مرحلة أشد تعقيداً، ويمنح الجماعة ورقة ضغط تتجاوز حدود الصراع اليمني.

نشاط حوثي مكثف للتعبئة العامة خلال الأسابيع الماضية (إعلام حوثي)

ولا يبدو التصعيد في البحر الأحمر حدثاً منفصلاً عن التحولات التي شهدتها الجبهات الداخلية أخيراً، بقدر ما يعكس انتقال حملة التعبئة من مرحلة الحشد إلى توظيف القوة التي أنتجتها الجماعة في سياق إقليمي أوسع.

وتزداد المخاوف من ربط اتساع الضغوط على ممرات الطاقة العالمية وحسابات الصراع الإقليمي بما يجري في الداخل اليمني، ومضاعفة احتمالات نقل تأثيرات أي تصعيد جديد إلى أبعد من الحدود المحلية.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

John Doe على TieLabs White T-shirt