أقر «الجيش الوطني الليبي» تشكيل لجنة للمصالحة في جنوب البلاد، بهدف احتواء الخلافات الفردية والمحدودة، التي تنشأ بين أبناء قبائل إقليم فزان، في خطوة تستهدف الحد من تداعيات النزاعات المحلية، لكنها تواجه تحدياً أكبر يتمثل في التعامل مع خلافات قبلية قديمة امتدت لسنوات، وتداخلت فيها عوامل اجتماعية وسياسية وأمنية.
وعقدت اللجنة أول اجتماعاتها الثلاثاء، بعد ترشيح أعضائها وتزكيتهم من «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان»، وبحثت آليات البدء في عملها وفتح ملف المصالحة في المنطقة الجنوبية، التي شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات مسلحة بين مجموعات وقبائل على خلفيات متعددة.
القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)
وقال إبراهيم أبو بكر نصر، رئيس «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» وأحد أعضاء اللجنة، لـ«الشرق الأوسط»، إن مهمة اللجنة التي نالت موافقة من القيادة العامة للجيش تتركز في «احتواء الخلافات المحدودة»، موضحاً أنها قد تتدخل، على سبيل المثال، في قضية قتل تقع بين أبناء قبيلتين، بهدف الإسراع في حلها، واحتواء تداعياتها قبل أن تتسع دائرة الخلاف.
لكنه رأى أن الانتقال من معالجة القضايا الفردية إلى تحقيق مصالحة شاملة بين قبائل الجنوب «أمر معقد»، وذلك بسبب تراكم ملفات قديمة لم تجد طريقها إلى التسوية النهائية، فضلاً عن ارتباط بعضها بالتجاذبات السياسية، التي شهدتها البلاد منذ عام 2011.
وأوضح نصر أن اللجنة يمكن أن تؤدي دوراً في «احتواء القضايا الصغيرة والمحدودة»، لكنه شدّد على أن الملفات ذات الطابع القبلي والسياسي الأوسع تحتاج إلى معالجة مختلفة، وقال إن الوصول إلى مصالحة شاملة «يحتاج إلى حكومة موحدة وتشريعات للمصالحة وجبر الضرر»، إلى جانب تفعيل آليات التعويض للمتضررين.
ويشهد جنوب ليبيا منذ أكثر من عقد خلافات قبلية، وصلت في بعض مراحلها إلى الاقتتال، ومن أبرزها مواجهات بين قبيلتي التبو وأولاد سليمان، إلى جانب نزاعات بين أولاد سليمان والقذاذفة، وأخرى بين القذاذفة والمقارحة. وخلفت تلك المواجهات قتلى وجرحى وأضراراً مادية، فيما بقيت بعض القضايا المرتبطة بها دون تسوية نهائية.
قد يهمك أيضًا: وزير الخارجية يستقبل محمد الوحش وكيل مجلس النواب ومحمود مسلم عضو “الشيوخ”
ويربط نصر بين استمرار هذه الخلافات وبين الانقسام السياسي، الذي رافق المرحلة الانتقالية في ليبيا، قائلاً إن أطرافاً سياسية مختلفة «دعمت أطرافاً من النزاعات» منذ عام 2011، الأمر الذي أسهم، وفق تقديره، في إطالة أمد بعض الخلافات، في ظل بيئة سياسية وأمنية هشة.
ويقول القيادي القبلي لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الانقسام لم يجعل النزاعات القبلية منفصلة عن المشهد السياسي، بل أضاف إليها أبعاداً جديدة، موضحاً أن بعض الخلافات التي بدأت، بوصفها قضايا محلية، تحولت مع مرور الوقت إلى ملفات تتقاطع فيها الاعتبارات القبلية مع مواقف الأطراف السياسية وموازين القوى الأمنية.
وأضاف القيادي ذاته موضحاً أن المصالحة في الجنوب لا يمكن أن تقتصر على التدخل العرفي لإنهاء الخلافات الطارئة، لأن الملف «يحتاج إلى حكومة موحدة وتشريعات للمصالحة وجبر الضرر»، عادّاً أن إصدار مثل هذه التشريعات «يرتبط بوجود مجلس نواب منتخب» يتولى وضع الإطار القانوني لمعالجة آثار النزاعات السابقة. ومشيراً إلى أهمية تفعيل جبر الضرر والتعويضات، بوصفهما جزءاً من أي تسوية أوسع للخلافات القبلية، خصوصاً في المناطق التي شهدت مواجهات مسلحة، وخسائر بشرية ومادية خلال السنوات الماضية. كما أوضح أن معالجة آثار النزاع لا تتوقف عند وقف القتال أو عقد اتفاقات اجتماعية، وإنما تشمل أيضاً حقوق المتضررين، وما ترتب على الصراعات من خسائر.
ويعكس هذا الطرح حدود الدور، الذي يمكن أن تضطلع به لجنة ذات طبيعة اجتماعية وقبلية، مقارنة بالملفات التي تتطلب قرارات سياسية وتشريعات رسمية، ذلك أن التدخل السريع من جانب المشايخ والأعيان قد يساعد في منع تطور حادث فردي إلى مواجهة أوسع، لكنه لا يوفر بالضرورة إطاراً نهائياً لتسوية نزاع ارتبط بسنوات من الخصومة، أو خلف ضحايا ونازحين وخسائر مادية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في فزان، بالنظر إلى اتساع رقعتها الجغرافية، وتداخل تركيبتها الاجتماعية والقبلية، فضلاً عن موقعها الحدودي مع دول عدة، وما يرتبط بذلك من تحديات أمنية واقتصادية. وتفرض هذه المعطيات على أي مسار للمصالحة التعامل مع قضايا محلية مختلفة في طبيعتها، بدلاً من افتراض وجود صيغة واحدة، يمكن تطبيقها على جميع النزاعات.
وتأتي الخطوة في وقت لا تزال فيه مدن ومناطق في الجنوب تشهد من حين إلى آخر توترات ذات طابع قبلي، بما يعكس صعوبة الفصل بين النزاعات المحلية القديمة، والتفاعلات السياسية والأمنية، التي رافقت انقسام مؤسسات الدولة الليبية.
وكانت مدينة الكفرة قد شهدت أخيراً توترات قبلية بين التبو وقبيلة الزوية، في واقعة أعادت إلى الواجهة هشاشة الوضع الاجتماعي والأمني في مناطق الجنوب، وأظهرت استمرار قابلية بعض الخلافات المحلية للتحول إلى توترات أوسع، إذا غابت قنوات التسوية المبكرة.




