الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةالأرتكاريا... مفاهيم خاطئة وخيارات علاجية حديثة

الأرتكاريا… مفاهيم خاطئة وخيارات علاجية حديثة

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

بدأ الأمر بحكة مزعجة وبقع حمراء مرتفعة ظهرت فجأة على الجلد، ثم اختفت بعد ساعات لتعود في اليوم التالي في مكان آخر. وكان أول ما خطر في باله: ما الذي أكلته؟

بدأ البحث عن المتهم: وجبة العشاء، ثم المكسرات، وبعدها الحليب والبهارات. حَذَفَ بعضَ الأطعمة، وأجرى تحاليل للحساسية، وتنقل بين أكثر من عيادة. كانت الأعراض تهدأ ثم تعود، ومع كل نوبة يعود السؤال نفسه: «ممَّ أعاني الحساسية؟».

مرت الأسابيع وتجاوزت الأعراض حاجز الأسابيع الستة، حتى وصل إلى العيادة المتخصصة. وهناك تغير السؤال: ماذا لو لم تكن المشكلة أصلاً حساسية من طعام أو مادة خارجية أخرى؟

هذه الرحلة ليست بعيدة عن تجربة كثير من المصابين بـالأرتكاريا (المعروفة أيضاً بالشرى): المرض الذي قد يبدو مجرد بقع وحكة عابرة، بينما تكون بعض أشكاله، وخصوصاً المزمنة، أكثر تعقيداً.

ويأتي اليوم العالمي للأرتكاريا في الأول من أكتوبر (تشرين الأول)، وشعار هذا العام 2026: Take Back Control – From Itch to Understanding، أو بما يعبر عن مضمونه: «استعد السيطرة… من الحكة إلى الفهم»؛ فالسيطرة على المرض تبدأ أولاً بفهم ما يحدث ولماذا.

مرض الأرتكاريا

> هل كل أرتكاريا تعني حساسية؟ ربما يكون هذا أحد أكثر المفاهيم الخاطئة التصاقاً بالمرض. فالأرتكاريا مرض تقوده بصورة رئيسية الخلايا البدينة (Mast cells)، التي يؤدي تنشيطها إلى إطلاق الهستامين ووسائط التهابية أخرى، فتظهر الحكة والبقع الجلدية المرتفعة، أو ما يعرف طبياً بالانتبارات (Wheals)، وقد يصاحبها تورم أعمق يُعرف بـالوذمة الوعائية (Angioedema).

وقد ترتبط بعض حالات الأرتكاريا الحادة بحساسية حقيقية تجاه طعام أو دواء. لكن الصورة تختلف في الأرتكاريا المزمنة العفوية؛ فالحساسية الغذائية المعتمدة على «الغلوبيولين المناعي هـ» IgE نادرة جداً كسبب لها، وتشير المعلومات الحديثة إلى أن آليات مناعية ذاتية تقف وراء كثير من حالاتها. ولهذا قد يقضي المريض وقتاً طويلاً باحثاً عن الطعام «المتهم»، ويستبعد أصنافاً متعددة من غذائه من دون أن تختفي الأعراض.

ولا توصي الإرشادات الحديثة بقوائم طويلة من اختبارات الحساسية من دون مبرر سريري؛ فالتشخيص الجيد يعني اختيار الفحوص التي يحتاج إليها المريض بناءً على قصته المرضية وحالته.

•ومتى تصبح الأرتكاريا مزمنة؟

تُصنف الأرتكاريا حادة عندما تستمر أو تتكرر أعراضها لمدة تصل إلى ستة أسابيع، أما إذا تجاوزت ذلك فتُصنف أرتكاريا مزمنة.

وتنقسم المزمنة إلى أرتكاريا مزمنة عفوية (Chronic Spontaneous Urticaria – CSU)، تظهر من دون محفز محدد يمكن ربطها به بصورة متكررة، وأرتكاريا مزمنة محفزة (Chronic Inducible Urticaria – CIndU)، تثار بعوامل مثل البرودة أو الحرارة أو الضغط أو الاحتكاك أو أشعة الشمس، أو بارتفاع حرارة الجسم والتعرق في بعض الأنماط.

اقرأ ايضا: «لوبريف» توقع اتفاقية مع «أرامكو السعودية» لتوريد اللقيم بمرفق جدة لـ 10 سنوات

ومن هنا، تأتي أهمية قصة المريض: متى تظهر الأعراض؟ وكم تبقى البقعة في المكان نفسه قبل أن تختفي؟ وهل ترتبط بالرياضة أو الاستحمام الساخن أو الشمس أو البرودة؟ وهل يصاحبها تورم في الشفتين أو الجفون؟ فالبقعة الجلدية المرتفعة، أو الانتبارة، تزول عادة من موضعها خلال 24 ساعة من دون أن تترك أثراً. أما إذا بقيت أكثر من ذلك، أو كانت مؤلمة أكثر من كونها حاكّة، أو تركت كدمات أو تغيراً في لون الجلد، فقد تستدعي تقييماً للبحث عن حالات أخرى تشبه الأرتكاريا. كما قد تفيد صورة يلتقطها المريض بهاتفه في أثناء النوبة؛ فهذه البقع قد تختفي قبل موعد زيارة الطبيب.

• السعودية: هل للحرارة والشمس دور؟: في بلد حار ومشمس مثل المملكة، يبدو السؤال بديهياً: هل البيئة السعودية تسبب الأرتكاريا؟ الحرارة والتعرق والشمس والتغيرات الحرارية قد تكون محفزات لبعض أنماط الأرتكاريا، وقد أظهرت دراسات سعودية أن بعض المرضى يربطون تفاقم أعراضهم بهذه العوامل. لكن ذلك لا يعني أن المناخ السعودي يسبب الأرتكاريا المزمنة. فالشخص الذي تظهر لديه هذه البقع الجلدية مع ارتفاع حرارة الجسم والتعرق في أثناء الرياضة قد يختلف عن شخص تثير البرودة أعراضه، وعن ثالث تظهر لديه الأرتكاريا تلقائياً من دون محفز فيزيائي محدد.

وحتى الغبار، على أهميته في أمراض الحساسية التنفسية في المملكة، لا ينبغي وصفه تلقائياً بأنه سبب للأرتكاريا المزمنة. فهناك فرق بين سبب المرض ومحفز الأعراض، وفهمه قد يوفر على المريض رحلة طويلة بحثاً عن مسبب قد لا يكون أصل المشكلة.• ما حجم المشكلة؟: الأرتكاريا ليست مرضاً نادراً، لكن تقديرات انتشارها تختلف بين المناطق بحسب تعريف الحالات وطرق الدراسات. وفي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قدرت بيانات دراسة العبء العالمي للأمراض GBD 2021 معدل الانتشار النقطي للأرتكاريا بنحو 0.94 في المائة بعد توحيد الفروق العمرية. وهذه النسبة تتعلق بالأرتكاريا عامة، وليست تقديراً للأرتكاريا المزمنة العفوية تحديداً.

أما في المملكة، فلا تزال الحاجة قائمة إلى بيانات وطنية واسعة تحدد انتشار الأرتكاريا المزمنة بدقة، لكن الدراسات المحلية تكشف عن جانب آخر: عبء المرض على حياة الإنسان. ففي دراسة حديثة من مدينة جامعة الملك سعود الطبية شملت 114 مريضاً بالأرتكاريا المزمنة العفوية، ظهرت الوذمة الوعائية لدى أكثر من نصف العينة. وأظهرت أدوات الفحص أن نحو 28 في المائة كانوا ضمن الفئة المعرضة لاحتمال اضطراب القلق، ونسبة مماثلة لاحتمال الاكتئاب، وارتبط ارتفاع الدرجات بتراجع جودة الحياة. ومع أن الدراسة من مركز واحد ولا يمكن تعميم نسبها على جميع مرضى المملكة، فإنها تذكر بحقيقة مهمة: الأرتكاريا مرض يظهر على الجلد، لكن عبئه لا يبقى على الجلد.

المضاعفات والعلاج

• الحكة التي تسرق النوم والحياة. من أكثر جوانب الأرتكاريا المزمنة إرهاقاً أن نوباتها لا تأتي دائماً بموعد متوقع، فقد يستيقظ المريض على بقع جلدية جديدة، أو تظهر الحكة والتورم في أثناء العمل أو الدراسة أو مناسبة اجتماعية. ومع تكرار النوبات قد يتأثر النوم والتركيز والعمل والعلاقات والنشاط الاجتماعي، وقد يضيف ظهور البقع أو التورم في أماكن ظاهرة عبئاً على ثقة الإنسان بنفسه، فضلاً عن القلق من النوبة التالية.

ولهذا توصي الإرشادات بقياس نشاط المرض ومدى السيطرة عليه وتأثيره في جودة الحياة. ومن الأدوات المستخدمة اختبار السيطرة على الأرتكاريا (UCT)، الذي يساعد على تقييم السيطرة ومتابعة الاستجابة للعلاج. فالهدف لم يعد أن تصبح الحكة محتملة، وإنما أن يستعيد المريض السيطرة على مرضه وحياته.

• العلاج – الهدف أكبر من إيقاف الحكة: وتترجم الإرشادات الدولية المحدثة في 2026 هذا الهدف علاجياً بالسعي إلى السيطرة الكاملة على الأعراض، وإعادة جودة الحياة إلى طبيعتها قدر الإمكان.

وتبدأ الخطة عادة بمضادات الهيستامين H1 من الجيل الثاني، التي تُفضل على الأدوية القديمة المسببة للنعاس. وإذا لم تتحقق السيطرة، تسمح الإرشادات للطبيب بزيادة جرعة بعض هذه الأدوية تدريجياً حتى أربعة أضعاف الجرعة القياسية، تحت الإشراف الطبي، وليس بقرار من المريض نفسه.

أما الكورتيزون الجهازي، فرغم قدرته على تهدئة النوبة سريعاً، فإنه ليس علاجاً طويل الأمد للأرتكاريا المزمنة بسبب آثاره الجانبية، وقد يستخدمه الطبيب لفترة قصيرة في بعض التفاقمات الشديدة.

وإذا بقي المرض غير مسيطر عليه، فهذا لا يعني أن الخيارات انتهت. فهناك علاجات متقدمة تستهدف مسارات محددة في المرض. ويحتفظ أوماليزوماب (Omalizumab) بموقع مهم في علاج الأرتكاريا المزمنة العفوية غير المسيطر عليها بمضادات الهيستامين، فيما تشمل الخيارات الحديثة دوبيلوماب (Dupilumab) وعلاجات تستهدف مسارات داخل الخلايا، ومنها مثبطات BTK.

• وفي السعودية: ماذا عن العلاجات الحديثة؟: وجود دواء ضمن الإرشادات الدولية أو اعتماده في دولة أخرى لا يعني تلقائياً أن له الاستطباب نفسه في المملكة، والمرجع هو هيئة الغذاء والدواء السعودية والمعلومات الدوائية المعتمدة لديها.

وتشير المعلومات الرسمية للهيئة إلى استطباب دوبيلوماب (Dupilumab) لعلاج الأرتكاريا المزمنة العفوية لدى المرضى من عمر 12 عاماً فأكثر عندما لا تتحقق السيطرة الكافية بمضادات الهيستامين H1 . كما أن أوماليزوماب (Omalizumab) من الأدوية المسجلة في المملكة، ويبقى اختيار العلاج وتصعيده مرتبطاً بالتشخيص والاستطباب المعتمد وتقييم الطبيب المختص. وهنا يصبح السؤال الأهم ليس فقط: هل العلاج الحديث موجود؟ وإنما: هل يصل المريض المناسب إلى العلاج المناسب في الوقت المناسب؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات