الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةاختتام «صحة آسيا 2026»… رقعة ذكية تراقب القلب لأسابيع وتتجه للتحقق السريري...

اختتام «صحة آسيا 2026»… رقعة ذكية تراقب القلب لأسابيع وتتجه للتحقق السريري في السعودية

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

قد ينبض قلب المريض بصورة طبيعية طوال الساعات الـ24 التي يرتدي فيها جهاز «هولتر»، ثم يظهر اضطراب في النظم بعد نزعه بيوم أو أسبوع. لكن ماذا لو أمكن مراقبة القلب لمدة تصل إلى 30 يوماً، بينما تبحث خوارزميات الذكاء الاصطناعي وسط آلاف الساعات من النبضات عن إشارات ربما لم يلتقطها الفحص التقليدي؟

هذا ما برز في الدورة الـ23 من معرض ومؤتمر «صحة آسيا 2026»، التي اختُتمت السبت في كراتشي، حيث اطلعت «الشرق الأوسط» على تقنية تعتمد على رقعة إلكترونية صغيرة تُثبَّت على صدر المريض، تسجِّل نشاط القلب لأيام وأسابيع، وتستعين بالخوارزميات لرصد اضطرابات النظم المحتملة وعرضها على الطبيب.

وقال البروفسور زكي الدين أحمد، أستاذ الصحة الرقمية والمؤسِّس المشارِك والمنسق العام لـ«صحة آسيا»، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن الدورة الحالية سجَّلت أكبر حضور دولي للمتحدِّثين في تاريخ الحدث، بمشاركة 35 متحدثاً دولياً ضمن 22 مؤتمراً وورشة، وأكثر من 200 شركة ونحو 600 جناح عرض، مع تمثيل لأكثر من 35 دولة.

وأضاف أن البرنامج جمع الجامعات والهيئات الحكومية والمؤسسات الصحية، وتناول الذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية والسجلات الطبية الإلكترونية وسلامة المرضى والصحة العامة وصحة السكان، مشيراً إلى مشاركة وزارة الصحة الاتحادية الباكستانية في تنظيم الحدث.

البروفسور زكي الدين أحمد: «صحة آسيا» يجمع الابتكار الطبي والصحة الرقمية بمشاركة أكثر من 35 دولة (الشرق الأوسط)

لا تكمن قوة التقنية التي طورتها «Vivalink» في حجمها، بل في قدرتها على إطالة نافذة مراقبة القلب. فالرقعة القابلة لإعادة الشحن والمقاومة للماء تسجِّل تخطيط القلب (ECG) ومعدل ضرباته والتنفس، إلى جانب تباين معدل القلب ودرجة حرارة الجلد والحركة والوضعية، مع إمكان المراقبة وجمع البيانات لفترات ممتدة تصل إلى 30 يوماً.

لكن التَّحوُّل الأهم يحدث خلف الرقعة؛ إذ تحلل الخوارزمية التدفق المستمر لبيانات القلب بحثاً عن أكثر من 15 نوعاً من اضطرابات النظم، بينها الرجفان الأذيني وتسارع القلب وبطؤه، وتبرز الأحداث المشتبه بها لمراجعة الطبيب. وهكذا لا يحل الذكاء الاصطناعي محل طبيب القلب، بل يساعده على العثور على لحظات غير طبيعية وسط أسابيع من النبضات.

بعض اضطرابات نظم القلب متقطعة؛ فقد يشعر المريض بالخفقان أو الدوار، ثم يظهر تخطيط القلب طبيعياً تماماً عند إجراء الفحص. فالمشكلة أحياناً ليست في قدرتنا على تشخيص الاضطراب، بل في أن القلب لم يكشفه خلال فترة المراقبة.

وتدعم هذا المبدأ دراسة حديثة نُشرت في مايو (أيار) 2026 في مجلة «JACC: Asia»، التابعة للكلية الأميركية لأمراض القلب، وشملت 2978 شخصاً استخدموا رقعة أخرى لتخطيط القلب لمدة تصل إلى 7 أيام.

وكانت النتيجة لافتة: اكتشفت الرقعة الرجفان الأذيني (Atrial Fibrillation) لدى 1.48 في المائة من المشاركين، مقابل 0.23 في المائة باستخدام تخطيط القلب التقليدي في نقطة زمنية واحدة؛ أي أن معدل الاكتشاف ارتفع بنحو 6.3 مرة. كما ظهر نصف الحالات في اليوم الأول، لكن استمرار المراقبة حتى اليوم الثالث كشف 75 في المائة من مجموع الحالات التي رصدتها الرقعة خلال فترة الدراسة.

وهذا يوضِّح أهمية إطالة فترة المراقبة: فاضطراب نظم القلب قد يحدث بصورة متقطعة، ولذلك قد لا يظهر في أثناء تخطيط قصير أو مراقبة ليوم واحد، لكنه يصبح أكثر احتمالاً للاكتشاف كلما طالت مدة تسجيل نشاط القلب.

من «هولتر» التقليدي إلى الرقعة الذكية… مراقبة القلب تدخل عصر الذكاء الاصطناعي

ولا تقتصر الفكرة على إطالة مدة المراقبة؛ فالتحدي التالي هو كيف نحلل هذا الكم الهائل من بيانات القلب؟ وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي.

اقرأ ايضا: مدرب الخلود: ما زلنا بحاجة إلى الانسجام

ففي دراسة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «JMIR mHealth and uHealth»، استخدم الباحثون شبكة عصبية عميقة لتحليل تخطيط قلب أحادي القناة وحقَّق النظام نتائج مرتفعة؛ إذ تمكَّن من اكتشاف 91.9 في المائة من حالات الرجفان والرفرفة الأذينية (Atrial Flutter)، كما استطاع استبعاد الاضطراب بصورة صحيحة لدى 99.6 في المائة ممن لا يعانون منه. وعند تحليل الرجفان الأذيني وحده، تمكَّن من اكتشاف 96.2 في المائة من حالاته.

ورغم هذه النتائج المرتفعة، أكد الباحثون ضرورة مواصلة التحقق من أداء النظام في ظروف المراقبة الواقعية. وهنا تكمن الرسالة الأهم: دقة الخوارزمية في الدراسة لا تكفي وحدها؛ فالثقة السريرية تبدأ عندما نعرف كيف تؤدي مع المرضى في الحياة اليومية.

وهنا تكتسب القصة بُعداً سعودياً. فقد وصف البروفسور شافي أحمد، الأستاذ في جامعة لندن وأحد قادة ورشة «الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية: من الابتكار إلى التطبيق»، التقنية في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» بأنها «طفرة في طب القلب والمراقبة القلبية الرقمية»، لما تتيحه من انتقال من المراقبة المحدودة زمنياً إلى متابعة ممتدة يمكن أن تساعد على التقاط اضطرابات قلبية متقطعة قد لا تظهر في أثناء الفحص التقليدي.

البروفسور شافي أحمد يشير إلى تقنية المراقبة القلبية الممتدة التي تتجه للتحقق السريري في السعودية (الشرق الأوسط)

وأوضح أن المملكة العربية السعودية اختيرت لتكون من الدول الأولى التي تدخل إليها التقنية للتحقُّق منها سريرياً، لما تتمتع به من موقع متقدم عالمياً في الذكاء الاصطناعي وبنية تحتية رقمية وصحية متطورة، تجعلها بيئة مناسبة لاختبار التقنيات الطبية الجديدة ونقلها من الابتكار إلى التطبيق السريري.

وأضاف شافي أحمد أن التَّحقُّق من التقنية سيتم في مستشفى الملك فيصل التخصصي، ومستشفى دله في الرياض، في خطوة ستتيح تقييم أدائها داخل البيئة السريرية المحلية.

وتتجاوز أهمية هذه الخطوة إدخال جهاز جديد إلى المستشفيات؛ فهي تختبر سؤالاً أساسياً في الطب المدعوم بالذكاء الاصطناعي: هل تحافظ الخوارزمية على دقتها عندما تنتقل إلى مرضى وسكان وبيئة سريرية مختلفة عن تلك التي طُورت واختُبرت فيها؟

التحقق المحلي قبل الثقة

وهنا يظهر مفهوم «التحقق المحلي (Local Validation)»: فنجاح خوارزمية على مجموعة سكانية معينة، أو حصول التقنية على موافقة تنظيمية في دولة ما، لا يضمن بالضرورة الأداء نفسه عند استخدامها على سكان مختلفين وفي بيئة صحية أخرى. وقد أشارت دراسة «JACC: Asia» نفسها إلى محدودية التنوع العرقي في عينتها بوصفها أحد قيود الدراسة.

لذلك لا يكفي أن نسأل عن عدد الحالات التي اكتشفتها الخوارزمية؛ بل يجب أيضاً معرفة ما الذي فاتها، وما الذي صنَّفته خطأً، وكيف يتغير أداؤها عند اختبارها على المرضى المحليِّين وفي ظروف الاستخدام الفعلية.

ربما كان المشهد الأكثر دلالة في ختام «صحة آسيا 2026» رقعة صغيرة على صدر المريض تجمع بيانات قلبه أياماً وأسابيع، بينما تبحث الخوارزميات وسط آلاف الساعات من الإشارات عن اضطراب ربما لم يشعر به أصلاً.

لكن الانتقال الحقيقي «من الابتكار إلى التطبيق» لا يحدث بمجرد وصول التقنية إلى المستشفى؛ بل عندما نتحقَّق من أدائها على المرضى المحليين، ونراقبها بعد الاستخدام، ونُبقي القرار السريري والمسؤولية في يد الإنسان.

وفي طب القلب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، لن يكون السؤال فقط:

ماذا اكتشفت الخوارزمية؟ بل السؤال الأكثر أهمية: ماذا لم تكتشف… وهل تحققنا من ذلك قبل أن نثق بها؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات