الرئيسيةالوطن العربيإيرانإيران ومقامرة «هرمز»... من فرصة التسوية إلى خطر العزلة

إيران ومقامرة «هرمز»… من فرصة التسوية إلى خطر العزلة

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

بدت مذكرة التفاهم التي وقّعتها واشنطن وطهران في فرساي منتصف يونيو (حزيران) فرصة نادرة لإيران للخروج من الحرب، واستعادة جزء من علاقاتها الاقتصادية، وحجز موقع في التوازن الإقليمي الذي يتشكّل بعد الضربات القاسية التي تلقّتها. لكن القيادة الإيرانية قرأت بقاء النظام وقدرته على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز باعتبارهما دليلاً على امتلاكها ورقة قادرة على انتزاع ما لم تحققه في الميدان. وبدلاً من استخدام المضيق ممراً نحو تسوية، حولته إلى أداة لفرض سيادة أمنية إيرانية على الخليج وإبعاد القوات الأميركية عنه.

هذه المقامرة لم تُسقط النظام، لكنها بدأت تنتج نقيض ما أرادته طهران: تحالفاً دفاعياً إقليمياً جديداً، وتشدداً أميركياً في شروط حرية الملاحة، واستعداداً لحصر أي تفاوض مقبل في ملفات محدودة، من دون منح إيران صفقة كبرى تعيد تأهيلها دولياً.

لم يكن انهيار مذكرة فرساي نتيجة التعنت الإيراني وحده؛ فقد جمعت الوثيقة ملفات يصعب حلها دفعة واحدة: وقف الحرب، وفتح «هرمز»، ورفع الحصار والعقوبات، ومستقبل البرنامج النووي، وإعادة الإعمار، وتسويات لبنان. كما صيغت بعض بنودها بلغة سمحت لكل طرف بتقديم تفسير مختلف.

يرى ريتشارد نيفيو، النائب السابق للمبعوث الأميركي الخاص إلى إيران، في تحليل لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، أن المذكرة كانت غامضة في تحديد التزامات إيران النووية، في حين جاءت تنازلات العقوبات أكثر وضوحاً وسخاء. وقارَنها بـ«خطة العمل المشتركة» لعام 2015 التي حصرت أهدافها بتجميد أجزاء من البرنامج النووي مقابل إعفاءات محددة ومؤقتة، وتركت أوسع القضايا لمفاوضات لاحقة. غير أن طهران ضاعفت عيوب الوثيقة عندما حاول «الحرس الثوري» تحويل غموضها إلى حق دائم في إدارة المضيق. وهكذا انتقلت المذكرة من صيغة لوقف الحرب إلى صراع حول من يملك تحديد قواعد الدخول إلى الخليج، فضاعت فرصة تطبيقها التدريجي قبل أن تتكون ضد إيران اصطفافات جديدة.

بحسب صحيفة «وول ستريت جورنال»، تطالب طهران بمنع السفن الحربية الأميركية والإسرائيلية من عبور المضيق، وفرض رسوم أو تسجيل وتأمين على بعض السفن، والتحكم بمسارات الملاحة. وترفض واشنطن أي اتفاق يسمح لإيران بفرض رسوم أو استبعاد سفن من ممر دولي.

تصفح أيضًا: الزيدي حمل إلى طهران «مبادرة عراقية للتهدئة»

عسكرياً، لا تستطيع إيران منع البحرية الأميركية من عبور «هرمز» إذا قررت واشنطن استخدام القوة. لكنها تستطيع جعل العبور التجاري مكلفاً وخطراً بواسطة الألغام والصواريخ والمسيّرات. وهذا هو مصدر نفوذها الحقيقي: ليس إغلاق المضيق بقوة بحرية تقليدية، بل رفع تكلفة التأمين وإخافة الشركات المالكة لناقلات بمليارات الدولارات. لكن استمرار هذا النهج يحول المشكلة من نزاع إيراني – أميركي إلى مواجهة بين طهران والدول التي تعتمد على الممر.

وبينما تشير التقارير إلى أن إيران وعُمان اقتربتا من اتفاق على مسار ملاحي مؤقت، فإن وزير الخارجية عباس عراقجي قال إن ذلك لا يكفي لفتح المضيق، وربطه بشروط إضافية بينها تعويضات أميركية. وجاء ذلك بالتزامن مع اتهام الإمارات لإيران بمهاجمة سفينة مرتبطة بشركة «أدنوك»، التي قالت إن 15 من سفنها تعرضت لهجمات منذ بداية الحرب.

وفي الأيام الأخيرة، بدا لافتاً هدوء الأسواق الأميركية، فضلاً عن تزايد انخراط الأميركيين بمعركة التجديد النصفي. غير أن ذلك لا يعني أن الأزمة بلا تكلفة؛ فقد أغلق مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» عند مستوى قياسي في 7 أغسطس (آب)، في حين بقي خام برنت قرب 83 دولاراً، ما يمنح ترمب هامشاً زمنياً للمناورة. لكنه هدوء مالي أكثر منه تفويضاً سياسياً؛ إذ أظهر استطلاع جامعة ماركيت أن 35 في المائة يعدّون التضخم وتكلفة المعيشة القضية الأولى، وأن 75 في المائة يرون أن حرب إيران لم تكن تستحق تكلفتها. وبالتالي يستطيع ترمب إدارة الوقت حتى الانتخابات النصفية، لكنه لا يستطيع تحمل صدمة نفطية جديدة أو حرب مفتوحة، بعد الجدل الذي دار حول النقص في بعض الذخائر العسكرية.

قد تختار واشنطن عدم استئناف حملة عسكرية واسعة إذا أصبح أمن المضيق مسؤولية إقليمية ودولية أوسع. لكن انسحابها من المنطقة قضية أعقد بكثير من طموحات طهران؛ فحرية الملاحة، وحماية قواعدها وحلفائها، ومنع ظهور قوة تتحكم بإمدادات الطاقة، تبقى مصالح أميركية مباشرة، حتى لو كانت الولايات المتحدة أقل اعتماداً من آسيا وأوروبا على نفط الخليج. الخيار الأكثر واقعية هو اتفاق محدود: فتح المضيق بلا رسوم أو استثناءات، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية على مراحل مرتبطة بالتنفيذ، ثم تفاوض منفصل على معرفة الحجم الحقيقي للبرنامج النووي، وإعادة رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أما الصواريخ والمسيّرات والنفوذ الإقليمي، فمحاولة إدخالها جميعاً في صفقة واحدة ستكرر خطأ مذكرة فرساي.

ويبقى قصف منشأة «جبل الفأس» قرب نطنز خياراً تهدد به واشنطن، لكنه ليس حلاً نهائياً؛ فبحسب معهد العلوم والأمن الدولي، فإن المنشأة المحفورة على عمق يقارب مائة متر لم تصبح تشغيلية بعد، وإن كانت قابلة لاستضافة نشاطات تخصيب مستقبلاً. ضربها قد يؤخر البرنامج، لكنه لا يمحو المعرفة النووية، وقد يعيد إشعال الحرب. وإذا رفضت طهران التسوية المحدودة، يمكن أن تجد نفسها أمام نموذج قريب من كوريا الشمالية: نظام باقٍ لكنه معزول، خاضع لعقوبات وحصار، واقتصاده منهك، في حين تبني الدول المحيطة ترتيبات دفاعية ضده. عندها تكون الخسارة الإيرانية الكبرى ليست هزيمة النظام، بل استبدال بفرصة العودة إلى المجتمع الدولي وهْم السيطرة على مضيق لا تستطيع امتلاكه من دون أن توحد معظم المنطقة في مواجهتها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات