انتشرت على نحو مفاجئ عناصر «جهاز الردع لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة» في شوارع وميادين العاصمة الليبية، في وقت تشهد فيه مناطقُ بطرابلس احتجاجات ليلية متصاعدة، أدت إلى إغلاق المزيد من المقار التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة.
ولوحظ وجود عناصر وسيارات تابعة لـ«جهاز الردع»، الذي يترأسه عبد الرؤوف كارة، في «ميدان الشهداء» بوسط طرابلس، وفي مواقع أخرى، من بينها زاوية الدهماني، وفندق المهاري، وجزيرة فشلوم.
عبد الرؤوف كارة إلى (اليسار) في اجتماع سابق بحضور الدبيبة ووزيرة العدل والنائب العام (حكومة الوحدة)
وكانت العلاقات بين كارة والدبيبة قد انقطعت، إثر مواجهات الأخير مع التشكيلات المسلحة بالعاصمة أدت إلى مقتل عبد الغني الككلي، الشهير بـ«غنيوة»، رئيس ميليشيا «جهاز دعم الاستقرار» في يوليو (تموز) 2025. وصعّد الدبيبة حينها من مواجهة الميليشيات، وقال إن «عصر الشيخ والحاج انتهى في أجهزتنا الأمنية والعسكرية، ولا مكان في الصفوف إلا لمن هو مؤهل، منضبط، وخاضع للسلطة، وخادم للقانون وحده»، في إشارة إلى كارة، والككلي.
وسعى الدبيبة إلى تفكيك ميليشيا كارة، لكنه عجز عن ذلك، فاضطر إلى الدخول في اتفاق معه، تم بمقتضاه تسليم سجن معيتيقة إلى حكومة «الوحدة».
وأمام تواصل الاحتجاجات، التي يقودها «حراك سوق الجمعة» في غرب ليبيا، على خلفية انقطاع الكهرباء وسياسة «تخفيف الأحمال»، واتجاه الغاضبين إلى إغلاق مقار حكومية، لجأ الدبيبة إلى «جهاز الردع» ليتولى حماية بعض مناطق بالعاصمة، وتأمين الطرق الرئيسية في مواجهة المحتجين.
ويعرف كارة، المولود عام 1980 في منطقة سوق الجمعة بطرابلس، بين أنصاره بـ«الشيخ الملازم». ويحتفظ بلحية طويلة كثة، ويستند إلى مرجعية سلفية جعلت له أتباعاً كثيرين، لا سيما بعد اضطلاعه بمحاربة مروجي الخمور والمخدرات. كما كان يحظى بقدر من القبول لدى السلطة في طرابلس، لإبقائه على رموز نظام القذافي قيد الاعتقال.
عبد الرؤوف كارة (حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي)
وقال مصدر مقرب من المحتجين لـ«الشرق الأوسط» إن الدبيبة «استعان بكارة ليكون في مواجهة الحراك، الذي ينتمي بالأساس إلى (سوق الجمعة)، مقر سيطرة كارة، وسط اعتقاده بأن الأخير هو من يقف خلف هؤلاء المحتجين، وبالتالي يستطيع منعهم من الاحتجاجات».
ومع تزايد الاحتجاجات في العاصمة ليلاً، عمد المتظاهرون، مساء الخميس، إلى بعض المقار الحكومية، فأغلقوا أبوابها باللحام المعدني، من بينها مقار مجلس النواب في زاوية الدهماني، والمجلس الرئاسي، ووزارة الرياضة في منطقة «النوفليين»، لكن مع الساعات الأولى من الصباح عاد الغاضبون إلى منازلهم.
اقرأ ايضا: الصفدي يؤكد لنظيره الفنزويلي استمرار دعم الأردن لجهود الإغاثة بتوجيهات ملكية
وقال أكرم النجار، رئيس تحرير منصة «علاش» الليبية، إن الدبيبة «لا يملك إلا مصالحة (جهاز الردع)، بأي طريقة كانت، لإيقاف الاحتجاجات، التي يقودها حراك شباب (سوق الجمعة)، والتي تطارد وزارات الحكومة وهيئاتها»، مشيراً إلى أن «هذه الجولة من الاحتجاجات تحظى بغضب شعبي كبير يعمّ جُل المنطقة الغربية، وليس طرابلس فقط، وإعمالاً بالمثل الليبي: (البص ولا العمى)».
ويرى النجار، في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن «عودة جهاز الردع إلى تمركزاته السابقة في طرابلس تبدو أولى من غض الطرف، في أحسن الأحوال، عن حملة إغلاق الوزارات والمقار الرسمية للحكومة باللّحام».
وانتهى النجار إلى أن «هذا الوجود للردع يمنح الحكومة وقتاً إضافياً، وهذه هي سياستها منذ أكثر من سنتين، والمتمثلة في شراء الوقت، دون وجود توجه أو رؤية واضحة تبين كيف ستدير بها الوضع المتأزم في الغرب الليبي».
وخلال اليومين الماضيين، اتسعت رقعة «العصيان المدني» في طرابلس، المنددة بأزمة الكهرباء، والمطالبة برحيل حكومة «الوحدة»، وكافة الأجسام السياسية في البلاد.
وعلى نطاق واسع، تداولت صفحات نشطاء ليبيين توجيهاً من حكومة الدبيبة إلى «جهاز الردع» و«إدارة المهام الخاصة»، بتكثيف التمركزات الأمنية، ورفع مستوى الجاهزية في طرابلس. ودعا التوجيه، الذي أمهر بتوقيع محمد عمران غلبون، وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة ومجلس الوزراء، إلى تعزيز الانتشار الأمني.
أحد عناصر «جهاز الردع» في طرابلس (حسابات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
وشملت التوجيهات تكثيف الوجود الأمني في مناطق سيمافور، وجرابة بن عاشور والظل وفشلوم، والظهرة، وزاوية الدهماني والهاني، وتقاطع النوفليين، إضافة إلى جزيرة مجمع العيادات، وجزيرة فشلوم، والنوفليين، وبركسيد، وجو المحطة، وفندق المهاري، والقبة الفلكية، وكوبري جامع الصقع.
كما شددت التوجيهات على ضمان «انتشار أمني فاعل في هذه المواقع، ورفع درجة الاستعداد، واستمرار التنسيق الميداني للحفاظ على الأمن والنظام العام».
وتسلق كارة سلم الوجاهة الاجتماعية، صاعداً إلى أعلى درجات «النفوذ والسيطرة»، ليتحول خلال الخمسة عشر عاماً الماضية من «عضو بالمجلس العسكري بطرابلس» إلى شوكة في حلق حكومة الدبيبة، بعدما أصبح له أنصار ومؤيدون، وأقصته لكنها اضطرت إلى إعادة عناصره إلى شوارع طرابلس.
وفي 13 مايو (أيار) 2025، قتل الككلي، المعروف بـ«غنيوة»، الذي كان يعد أبرز قيادي للمجموعات المسلحة المسيطرة على مناطق مهمة في طرابلس منذ عام 2011، وذلك بعد تصاعد نفوذه وسيطرته على مناطق عدة في العاصمة.




