لم تكن مراسم تشييع العاهل النرويجي الملك هارالد الخامس في أوسلو، أمس الأربعاء، مجرد تجمع استثنائي لقادة وعائلات القارة الأوروبية، بل كانت لوحة بصرية نادرة توثق كيف تختلف قواعد الحداد من ملكة إلى أخرى ومن جيل إلى جيل. فقد اجتمعت الملكات والأميرات تحت سقف كاتدرائية أوسلو ملتزمات بقواعد صارمة ترتكز على اللون الأسود، الأقمشة الهادئة، والمجوهرات ذات الطابع الرصين.
الملكة سونيا من النرويج
في أروقة الموضة الملكية، لا يُعد اللؤلؤ مجرد حجر كريم للزينة، بل هو لغة بصرية بحد ذاته؛ إذ تفسر تقاليد الحداد الأوروبية حضوره القوي بارتباطه منذ القرن التاسع عشر بفكرة “الدموع”، فضلاً عن كونه حجراً هادئاً لا يضفي بريقاً احتفالياً يتناقض مع جدية المناسبة.
وقد تجسد هذا التقليد بأوضح صوره من خلال إطلالة الملكة الأرملة سونيا، التي اختارت الشكل الأكثر تقليدية للحداد. أطلت الملكة بفستان أسود طويل ورصين، مكلل بطرحة حداد كاملة تُعد امتداداً لتقليد يعود إلى العصر الفيكتوري. واكتملت إطلالتها بطبقات من اللؤلؤ حول العنق ووسام العائلة الملكية (Royal Family Order) الخاص بزوجها الراحل، مما حول الإطلالة من مجرد أزياء حداد إلى تعبير شخصي عميق عن الفقد.
ولي عهد النرويج الأمير هاكون وزوجته الأميرة ميته ماريت
على الجانب الآخر، مثلت إطلالة الملكة ميتّه ماريت جسراً بين جيلين؛ حيث ارتدت الأسود مع قلادة من ثلاثة صفوف من اللؤلؤ ومشبك ماسي، مبتعدة عن الطرحة الكاملة لصالح قبعة سوداء ذات تفصيل شبكي.
أما الأميرة إنغريد ألكسندرا، وريثة العرش المستقبلية، فقد منحت الحداد لمسة عاطفية بالغة التأثير. اعتمدت غطاء رأس أسود وشبكة، لكن مركز إطلالتها كان قلادة على شكل قلب يتوسطه ياقوت أحمر محاط بالألماس ومعلق بصف من اللؤلؤ، وهي هدية تلقتها من الملكة سونيا بمناسبة تعميدها عام 2004. وفي مرحلة ما بعد الجنازة، استبدلت الغطاء الشبكي بعصابة رأس سوداء بسيطة. وفي تناقض يبرز اختلاف الأجيال، اختارت عمتها الأميرة مارثا لويز قلادة ضخمة (Choker) من خمسة صفوف من اللؤلؤ، بينما وثقت الأميرة أستريد تاريخ العائلة عبر ارتداء ثلاثة أوسمة ملكية تعود للملوك هارالد، أولاف الخامس، وهاكون السابع.
قد يهمك أيضًا: جيلان الغباس وعمر مرموش.. إطلالات زفاف تجمع الجرأة والرقي
ملك هولندا فيليم ألكساندر وزوجته الملكة ماكسيما
فضلت بعض الملكات استدعاء قطع أرشيفية ذات رمزية تاريخية ثقيلة. فقد لجأت ملكة إسبانيا ليتيزيا إلى أرشيف الملكية الإسبانية، متألقة بقلادة لؤلؤ تاريخية تتألف من 37 لؤلؤة تنتمي لمجموعة (Joyas de Pasar) المرتبطة بالملكة فيكتوريا يوجينيا.
في السياق ذاته، استعادت الملكة ماكسيما (ملكة هولندا) والملكة ماتيلد (ملكة بلجيكا) إطلالات سابقة؛ حيث ارتدت ماكسيما بروشاً من اللؤلؤ والألماس يعود للقرن التاسع عشر، وهو ذاته الذي ارتدته في جنازة الملكة إليزابيث الثانية عام 2022. كما أعادت الملكة ماتيلد ارتداء نفس طقم مجوهراتها (عقد اللؤلؤ وبروش الفراشة الماسي وأقراط الملكة فابيولا) الذي ظهرت به في جنازة الملكة البريطانية الراحلة. أما الأميرة أماليا، وريثة العرش الهولندي، فقد خطت أولى خطواتها في لغة الحداد مستعيرة أقراطاً من اللؤلؤ والألماس من مجموعة والدتها.
أميرة موناكو شارلين
بعيداً عن الأرشيف المزدحم بالمجوهرات، قدمت الملكة رانيا العبدالله رؤية معاصرة للحداد الملكي تعتمد على الخطوط النظيفة (Silhouette) والتصميم الهيكلي الأنيق، مبتعدة عن تراكم اللؤلؤ والمجوهرات التقليدية، لتثبت أن الاحترام العميق يكمن في بساطة التصميم ورصانته.
وبأسلوب مبتكر ومختلف، أدخلت الأميرة شارلين (أميرة موناكو) فن الخياطة الراقية (Tailoring) إلى مراسم الجنازة، متخلية عن الفستان الأسود التقليدي لصالح بدلة سوداء تميزت بسترة “بار” (Bar Jacket) الأيقونية من دار “ديور” (Dior)، ونسقتها مع غطاء رأس كلاسيكي ومجوهرات لؤلؤية محدودة.
الملك عبدالله الثاني والملكة رانيا العبد الله
تماهياً مع بروتوكول المناسبات الجنائزية الذي يُعلي من شأن الرصانة، اتفقت الحاضرات على اعتماد إطلالات جمالية بالغة الهدوء. غابت الألوان الصارخة لصالح بشرة طبيعية، عيون محددة بنعومة، وشفاه بدرجات النيود أو الوردي الهادئ، مع تسريحات شعر مرتبة ومضبوطة بعناية أسفل القبعات والطرَح، لتكتمل صورة الوداع المهيب بنقاء لا ينافس جلال الموقف.




