الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةآفاق الحوسبة الجديدة: قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي والجيل السادس للاتصالات و«الحوسبة المتصلة»

آفاق الحوسبة الجديدة: قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي والجيل السادس للاتصالات و«الحوسبة المتصلة»

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

مع استمرار تباين الحدود الفاصلة بين الذكاء الاصطناعي وهندسة الأجهزة المحمولة والحوسبة المنتشرة، تقف «كوالكوم Qualcomm» في مركز هذا التطور التقني. فبينما كانت تُعرف في السابق بأنها الأساس الذي يرتكز عليه الانتقال العالمي لاتصالات الهواتف الجوالة، أعادت الشركة صياغة مسارها بشكل جذري لتتحول إلى قوة ضاربة للمعالجة عالية الأداء ومنخفضة الطاقة على حافة الشبكة Edge.

وفي حوار حصري لـ«الشرق الأوسط» مع محمد يعقوب، المدير العام لشركة «كوالكوم» في المملكة العربية السعودية، نستكشف كيف تتعامل «كوالكوم» مع المتطلبات المعقدة لنشر الذكاء الاصطناعي التوليدي وتوسيع نطاق حضورها في منصات السيارات الذكية وبناء الجيل الجديد للعقد القادم من الأجهزة الذكية.

محمد يعقوب المدير العام لشركة «كوالكوم» في السعودية

قال محمد إنه على مدى عقود، ارتبط اسم «كوالكوم» بصناعة الرقائق الإلكترونية. أما اليوم، فتنظر الشركة إلى دورها بصورة أشمل؛ إذ تعمل على تمكين الذكاء عبر كامل منظومة الحوسبة، بدءاً من أصغر الأجهزة القابلة للارتداء وصولاً إلى أكبر مراكز البيانات. ويتطلب الذكاء الاصطناعي الوكيلي، الذي يُمكّن الأنظمة من الاستدلال واتخاذ الإجراءات والتكيف في الوقت الفعلي، نهجاً متكاملاً يغطي مختلف طبقات التقنية؛ إذ لا يمكن حصره في شريحة واحدة أو بيئة سحابية واحدة.

وأضاف أن استحواذ «كوالكوم» على شركة «موديولار Modular» يأتي في إطار هذا التحول، إذ يوفر للمطورين أساساً برمجياً مفتوحاً يتيح تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي بكفاءة عبر أنواع مختلفة من أشباه الموصلات، وليس على تقنيات «كوالكوم» فحسب. وهذا ما يعنيه التحول إلى «شركة منصات»: بناء منظومة متكاملة تشمل الأجهزة والبرمجيات وطبقات التنسيق والتشغيل، بما يتيح نقل قدرات الذكاء وتشغيلها بكفاءة حيثما تكون الحاجة إليها.

وركز على أنه ومع صعود الذكاء الاصطناعي الوكيلي، فقد أصبحت كفاءة استهلاك الطاقة والتكلفة لكل عملية استدلال من أبرز العوامل المؤثرة في القدرة على التوسع. وصُممت محفظة «كوالكوم دراغونفلاي Qualcomm Dragonfly» بما تشمله من وحدات معالجة مركزية جديدة ومسرعات للاستدلال بالذكاء الاصطناعي وتصاميم الحوسبة عالية النطاق، استناداً إلى خبرة الشركة الممتدة لعقود في تحقيق أعلى مستويات الأداء مقابل كل واط من الطاقة، بدلاً من التركيز على الأداء بمعزل عن تكلفته واستهلاكه للطاقة.

وتكتسب هذه الكفاءة أهمية متزايدة مع توسع مراكز البيانات، وهي من الأسباب التي تدفع شركاء عالميين، بمن فيهم كبار مزودي الخدمات السحابية، إلى العمل مع «كوالكوم». وتبرز أهمية ذلك بشكل خاص في المملكة العربية السعودية، حيث يضع تعاون الشركة مع «هيوماين Humain» هذه الكفاءة موضع التطبيق على نطاق واسع. وبدأت هذه الاستثمارات بالفعل تتحول إلى تطبيقات فعلية؛ إذ أصبحت «أدوبي Adobe» أخيراً أول شركة برمجيات عالمية تنقل أحمال عمل الذكاء الاصطناعي الخاصة بها إلى منصة «هيوماين»، بالاستفادة من قدرات «كوالكوم دراغونفلاي». ويُشكّل ذلك مؤشراً واضحاً على ما يمكن أن تتيحه الحوسبة عالية الكفاءة والقابلة للتوسع لمنظومة تستثمر بهذا الحجم لتحقيق طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي.

وفيما يتعلق بتطبيقات «الذكاء الاصطناعي المادي»، فقد اعتمدت الروبوتات تقليدياً على معالج واحد يتولى تنفيذ مختلف المهام في الوقت نفسه، مما يحد من قدرتها على الاستجابة بسرعة للمتغيرات في العالم الحقيقي. ويقوم النهج الجديد على توزيع قدرات الحوسبة الروبوتية على طبقات متخصصة، تركز إحداها على الاستدلال والتخطيط، وأخرى على الحركة في الوقت الفعلي، وثالثة على الاستجابة الفورية، بما يُمكّن الروبوت من استشعار محيطه واتخاذ القرار وتنفيذه من دون أن تتعطل كل العمليات بسبب ازدحامها في نظام واحد. ويُجسّد معالج «دراغونوينغ آي كيو10 Dragonwing IQ10» هذا النهج في منتج متكامل يوفر قدرات ذكاء اصطناعي تصل إلى 700 تريليون عملية في الثانية مباشرة على الجهاز، من خلال 18 نواة في المعالج، إلى جانب استخدام وحدات معالجة عصبية متعددة النوى ووحدة معالجة رسومات.

ويتيح ذلك تنفيذ مهام الإدراك والتخطيط والاستدلال محلياً من دون الحاجة إلى مسرّعات خارجية. ولا تقل أهمية عن ذلك قدرة الشركة على دمج هذه القوة الحاسوبية مع تقنيات الاستشعار والاتصال والبرمجيات ضمن منصة موحدة وجاهزة للاستخدام الفعلي. ولم يكن التحدي الأساسي في الروبوتات المتقدمة يوماً في مكوّن منفرد، بل في دمج مختلف المكونات ضمن منظومة موثوقة وقابلة للاستخدام على نطاق واسع. هذا التكامل هو ما يُمكّن الروبوت من تجاوز تنفيذ التعليمات المحددة مسبقاً إلى إدراك بيئته فعلياً وفهم ما يجري حوله واتخاذ الإجراءات المناسبة بصورة مستقلة.

وانتقل إلى الحديث عن دور الذكاء الاصطناعي التوليدي في تحويل تجربة المستخدم داخل المركبات الذكية في المستقبل القريب، حيث تتجه المركبات لأن تصبح من أكثر أجهزة الذكاء الاصطناعي ارتباطاً بالمستخدم وتخصيصاً لتجربته. ومن خلال منصة «سنابدراغون ديجيتال تشاسي Snapdragon Digital Chassis» التي تدعم مجموعة واسعة من الأنظمة بدءاً من قمرة القيادة الرقمية وصولاً إلى أنظمة القيادة الآلية، نشهد انتقال الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيلي من كونه ميزة تقنية جديدة إلى قدرات تفهم السياق بصورة فعلية وتتوقع احتياجات المستخدم، وتتكيف مع السائق، وتنسّق القرارات بين مختلف أنظمة المركبة في الوقت الفعلي. وتتعاون الشركة مع شركات تصنيع السيارات (مثل مجموعة BMW) الاتجاه الذي يسلكه هذا التطور؛ فسيارة المستقبل القريب لن تكتفي بالاستجابة لأوامر السائق، بل ستكون قادرة على فهم سياق الرحلة والتفاعل معها بصورة استباقية إلى جانب السائق.

نوصي بقراءة: رودجرز يواجه الإعلام لكشف جاهزية القادسية للموسم المقبل

وحول التحديات التقنية الرئيسية التي تواجه توسيع نطاق «الذكاء الاصطناعي على الجهاز» ليشمل ملايين الأجهزة المتصلة والمترابطة يومياً، قال المدير العام لشركة «كوالكوم» في المملكة العربية السعودية إن التحدي لا يكمن في جعل جهاز واحد ذكياً، بل بجعل ملايين الأجهزة ذكية بشكل موثوق دون استنزاف طاقتها أو تجاوز ميزانيتها؛ فكل جهاز إضافي يعمل بالذكاء الاصطناعي محلياً يجب أن يُطبّق ذلك بكفاءة كافية لضمان استمرار تشغيله وبأمان كافٍ ليكون جديراً بالثقة وبتناسق كافٍ ليعمل بالأسلوب نفسه سواء كان عبارة عن جهاز استشعار في أرضية المصنع أو جهازاً قابلاً للارتداء على معصم شخص.

وأمضى القطاع سنوات في حل هذه المشكلة على نطاق ضيق. أما حلها على نطاق مليارات النقاط الطرفية فهو أمر مختلف تماماً، وقامت الشركة بتصميم بنية هندسية خاصة به بدلاً من التعامل مع الذكاء الاصطناعي على الجهاز بوصفه إضافة ثانوية للسحابة.

وفيما يتعلق بدعم المطورين، فلم يكن بناء نموذج الذكاء الاصطناعي الجيد الجزء الأصعب أبداً، بل إن جعل هذا النموذج يعمل بشكل جيد فعلياً على أجهزة حقيقية بموثوقية وكفاءة ودون أن يضطر المطور إلى أن يصبح خبيراً في الرقائق الإلكترونية خلال هذه العملية هو ما يستنزف وقت معظم المشاريع. وتم إنشاء مركز «كوالكوم لتطوير الذكاء الاصطناعي Qualcomm AI Hub» لسد هذه الفجوة.

وبإمكان المطور أخذ نموذج تم بناؤه باستخدام برنامج التعلم الآلي «PyTorch» أو تنسيق الملف القياسي المفتوح «ONNX»، ومن ثم تجميعه وتحسينه والتحقق من صحته مباشرةً على أجهزة «كوالكوم» حقيقية في السحابة، وغالباً ما يستغرق هذا الأمر دقائق معدودة بدلاً من أسابيع. كما يمكنه استخدام نموذجه الخاص عوضاً عن البدء من الصفر، بحيث تتكيف المنصة مع طريقة عمله الحالية.

وبالنسبة إلى شركة ناشئة أو فريق مؤسسي لا يمتلك فريقاً مخصصاً لتحسين الأجهزة (وهو الحال بالنسبة إلى معظمها)، فإن ذلك يُحول عملية كانت تتطلب في السابق خبرة عميقة ومتخصصة إلى عملية أكثر سهولة بكثير. وهذا هو الفرق بين أن تبقى الفكرة الجيدة مجرد فكرة، وبين أن يتم تنفيذها فعلياً.

تبني الشركة الجيل الجديد للعقد القادم من الأجهزة الذكية

وسألت «الشرق الأوسط» عن كيفية الاستعداد من الناحية التقنية لتحويل تفاعل الأجهزة من مجرد «نظام تشغيل» إلى «تنسيق وكلاء الذكاء الاصطناعي» مع اقترابنا من عصر شبكات الجيل السادس للاتصالات (6G)، حيث قال يعقوب إن شبكات الجيل السادس لن تكون مجرد نسخة أسرع من شبكات الجيل الخامس، بل يتم تصميمها من الألف إلى الياء بكونها نظاماً قائماً على الذكاء الاصطناعي يدمج بين الترابط والحوسبة والاستشعار معاً. ومن شأن هذا الأمر تغيير المهام المطلوبة من نظام تشغيل الجهاز؛ فبدلاً من مُجرّد تشغيل التطبيقات، يتعين عليه تنظيم عمل الوكلاء بالتنسيق بين ما يحدث على الجهاز وما يحدث في الأطراف وما يحدث في السحابة، كل ذلك خلال الوقت الفعلي وبناءً على السياق. وتعمل الشركة على إعداد معايير الجيل السادس مع أخذ هذه الغاية النهائية في الاعتبار لأن الشبكة والجهاز سيحتاجان إلى التصميم معاً حتى يعمل الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء بسلاسة.

وينصح المهندسين والمبتكرين بالتفكير من منظور الأنظمة «Systems» وليس المكونات. والمهندسون الذين سيحققون النجاح في هذا العصر هم الذين يفهمون كيف يرتبط القرار الذي يُتَخذ على جهاز ما بما يحدث في الأطراف وفي السحابة بدلاً من التخصص بشكل ضيق في مجال واحد فقط. وسيكون للاهتمام بكفاءة استهلاك الطاقة والتطبيق في العالم الواقعي وتفاعل التقنيات فعلياً خارج المختبر، أهمية لا تقل عن المهارات التقنية الأساسية. وبالنسبة إلى المهندسين الشباب في المملكة العربية السعودية على وجه التحديد، فإن اللحظة الحالية مواتية حقاً، حيث تستثمر المنظومة في هذه القدرات بالتحديد وتوجد فرصة حقيقية لبناء مسيرة مهنية واعدة لهم في المملكة.

واختتم قائلاً إن «العقد المقبل لن يشهد زيادة في قوة الذكاء الاصطناعي بقدر ما سيشهد تحولاً يجعله يعمل بأسلوب أقل ظهوراً بالمعنى الإيجابي للكلمة. ولا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي اليوم يبدو كأنه فعل متعمَّد: يفتح المستخدم تطبيقاً ويكتب أمراً. وأتوقع أنه في غضون عشر سنوات، سيكون الذكاء موجوداً ببساطة حولنا، في أجهزتنا وسياراتنا ومنازلنا وأماكن عملنا يساعدنا بهدوء دون أن يلفت انتباهنا».

السؤال الأهم الذي يطرح نفسه على المجتمعات ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيكون قادراً على ذلك (فمن الواضح أنه سيكون كذلك)، بل عمّا إذا كنا سنطوره بطريقة تحترم الخصوصية وتعمل بشكل موثوق وتبقى مفيدة حقاً بدلاً من أن تكون متطفلة. هذا هو التوازن الذي يتعين على القطاع تحقيقه، وهذا هو الجزء الأهم في هذا المسار.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات